منذ القدم، شغلَ سؤال "هل الإنسان حرّ في اختياراته أم أن حياته مُسَيّرة بقدرٍ مُسبق؟" أذهان الفلاسفة وعلماء الدين وعلماء النفس. تُعرف هذه الإشكالية بالجدل بين الجبرية (الإيمان بأن كل شيء مقدّر سلفًا) والحرية (الإيمان بحرية الإرادة البشرية).
ما هي الجبرية؟
الجبرية هي الاعتقاد بأن أفعال الإنسان وأحداث حياته مُحدّدة مسبقًا بقوى خارجية، مثل القدر الإلهي أو قوانين الطبيعة. فالإنسان، وفقًا لهذا الرأي، يشبه "دمية" تتحرك وفق خطة مرسومة.
أمثلة من الحياة اليومية:
- شخص وُلد في عائلة فقيرة وظروف صعبة: هل كان له خيار في ذلك؟
- إصابة شخص بمرض وراثي دون ذنبٍ اقترفه: هل هذا قدر محتوم؟
ما هي الحرية؟
الحرية، على النقيض، تعني أن الإنسان يمتلك **إرادة حرة** ويُمكنه اتخاذ قراراته بناءً على وعيه ورغباته. بمعنى آخر، نحن نصنع مصيرنا باختياراتنا.
أمثلة من الحياة اليومية:
- طالب يقرر المذاكرة بجدّ فينجح: هل كان نجاحه نتيجة جهده أم مقدرًا له؟
- شخص يختار أن يكون لطيفًا مع الآخرين: هل هذا قراره أم فرضته عليه جيناته وتربيته؟
أين يكمن التوازن؟
في الواقع، معظم الناس يؤمنون بنظرية وسطية تجمع بين القدر والإرادة، أي أن هناك أحداثًا خارجة عن إرادتنا (مثل الولادة، الموت، الكوارث)، لكننا نتحمل مسؤولية اختياراتنا داخل هذه الحدود.
مثال توضيحي
لو أصيب شخص بحادث سيارة بسبب خلل في المكابح (خارج عن إرادته)، لكنه كان يستطيع اختيار عدم القيادة بسرعة عالية (قرار شخصي).
الخاتمة
السؤال عن الحرية والقدر يظلّ لغزًا فلسفيًا عميقًا، لكن الأهم هو كيف نتعامل مع حياتنا: بالرضا بما لا نستطيع تغييره، وبالجهد فيما نستطيع تحسينه. كما قال الإمام عليّ: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا"، وهو توازنٌ رائع بين القبول والمسؤولية.
فهل نحن أحرار أم مسيرون؟ ربما الإجابة
الحقيقية هي: نحن أحرار ضمن حدود القدر، ومسيرون ضمن مساحة من الحرية.

تعليقات: (0) إضافة تعليق