آخر الأخبار

راي كورزويل: الإنسان سيتجاوز البيولوجيا!!

+حجم الخط-


نادراً في الفكر المعاصر من حوّل التكنولوجيا من أداة إلى عقيدة، ومن التنبؤ بالمستقبل إلى وعد بالخلود، كما فعل راي كورزويل. فاسمه لا يرتبط بفيلسوف أو عالم اجتماع، إنما بمخترع وعالم حاسوب أمريكي، لُقّب بـ"الوريث الشرعي لتوماس إديسون" و"آلة التفكير المطلقة"، وصار أحد أكثر المدافعين عن فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيتجاوز الذكاء البشري في العقود القادمة، وأن الإنسان سيندمج مع الآلة في كائن هجين جديد . 

وُلد في مدينة نيويورك في الثاني عشر من فبراير عام 1948، ونشأ في أسرة يهودية، وأظهر منذ طفولته نبوغاً في الرياضيات والبرمجة، حتى لُقّب بـ"المعجزة التقنية" وهو في السابعة عشرة، حين فاز بالجائزة الأولى في المعرض الدولي للعلوم ببرنامج كمبيوتر يكتب موسيقى تحاكي أساليب الملحنين .


درس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وتخرج فيه عام 1970 بدرجة في علوم الحاسوب والأدب الإبداعي. ثم أسس عدة شركات تقنية، واخترع عدداً من الأدوات التي غيّرت حياة الملايين: أول ماسح ضوئي مسطح (CCD)، وأول جهاز للتعرف البصري على الحروف، وأول آلة قراءة للكفوفين تحوّل النص إلى كلام، وأول آلة مزج موسيقي قادرة على محاكاة صوت البيانو وآلات الأوركسترا . وقد حصل على الميدالية الوطنية للتكنولوجيا، وأُدخل إلى قاعة مشاهير المخترعين الوطنيين، ونال جائزة غرامي لإسهاماته في تكنولوجيا الموسيقى .


لكن شهرته العالمية لم تأتِ من اختراعاته، إنما من كتبه التي تتنبأ بمستقبل البشرية. وأشهرها "عصر الآلات الروحية" (1999)، و"التفرد قريب" (2005)، و"كيف نصنع عقلاً" (2012) . وجوهر نظريته يقوم على ما يسميه "قانون العوائد المتسارعة": أن التقدم التكنولوجي لا يسير خطياً، بل أُسّياً، أي أنه يتضاعف بمعدل متزايد، لأن كل جيل من الأدوات يُستخدم لبناء الجيل التالي الأكثر قدرة . ومن هنا استنتج كورزويل أننا سنصل إلى نقطة "التفرد" (Singularity) بحلول عام 2045 تقريباً، وهي اللحظة التي يصبح فيها التغيير التكنولوجي فائق السرعة والعمق، بحيث تندمج أدمغتنا مع الآلات، ويتحول الذكاء البشري إلى ذكاء غير بيولوجي أقوى تريليونات المرات من الذكاء البشري الحالي .


وفي تفصيله لهذه الرؤية، يرى كورزويل أن الطب سيتحول عبر ثلاث "جسور": الجسر الأول هو الجينات، حيث سيُمكن فك شيفرة الحمض النووي من عكس الأمراض والشيخوخة خلال عشر إلى خمس عشرة سنة. والجسر الثاني هو تكنولوجيا النانو والروبوتات الدقيقة (nanobots) التي ستسبح في مجرى الدم لإصلاح الأعضاء وإعادة بنائها. والجسر الثالث هو الذكاء الاصطناعي الذي سيتجاوز الدماغ البشري، ويسمح بتحميل الوعي على الحاسوب . وبهذا، فإن كورزويل لا يتحدث عن تحسينات تدريجية، إنما عن تحول وجودي: أن الإنسان سيتغلب على الموت نفسه، وأن الفرق بين الإنسان والآلة سيصبح غير واضح .


وقد أثارت هذه الأفكار جدلاً واسعاً. فمن جهة، يصفه بيل غيتس بأنه "أفضل شخص أعرفه في التنبؤ بمستقبل الذكاء الاصطناعي"، ويقول إن تنبؤاته في الثمانينيات والتسعينيات كانت دقيقة إلى حد مذهل . ومن جهة أخرى، يرى منتقدون أن أفكاره عن الخلود وقهر الموت "تتسم بالسذاجة والتسطيح"، وأنها تعبر عن "عصر النرجسية" الذي يجعل الأذكياء يتصورون أن العالم لن يسير من دونهم . وقد رد كورزويل على ذلك بأن منتقديه عاجزون عن تصور الإمكانات الهائلة التي ستوفرها التكنولوجيا، لأنهم يفكرون بمنطق خطي، بينما الواقع يسير بمنطق أُسّي .


وإذا كان بوستروم يحذر من "الذكاء الخارق" بوصفه خطراً وجودياً قد يفقدنا السيطرة، فإن كورزويل يراه بوصفه خلاصاً: لحظة اندماج البشر والآلات، حيث نصبح نحن أنفسنا ذلك الذكاء الخارق. وربما في هذا التفاؤل الجذري، الذي لا يخلو من نزعة طوباوية، يبقى سؤال كورزويل حاضراً: هل التكنولوجيا طريق إلى تحرير الإنسان من حدوده البيولوجية، أم وهم جديد يعد بالخلود ويؤجل مواجهة الفناء؟

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي