نادرا في الفكر المعاصر من استطاعت أن تحوّل كلمة واحدة إلى سلاح فكري، وأن تجعل من كائن خيالي-تقني استعارةً لتفكيك أعمق المسلّمات التي قامت عليها الفلسفة الغربية، كما فعلت دونا هاراوي.
وُلدت في السادس من سبتمبر عام 1944 في دنفر بولاية كولورادو الأمريكية، وتخصصت في علم الحيوان مع دراسات جانبية في الفلسفة واللغة الإنجليزية في كلية كولورادو، ثم أكملت الدكتوراه في علم الأحياء من جامعة ييل عام 1972 . عملت في جامعات عدة، لكنها استقرت أستاذة في قسم تاريخ الوعي والدراسات النسوية في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، حيث ظلت مرتبطة بها حتى تقاعدها . غير أن تكوينها العلمي في الأحياء لم يتحول إلى مسار أكاديمي تقليدي، بل صار أساساً لنوع من الكتابة يعبر الحدود بين العلم والفلسفة والثقافة والسياسة.
وجاءت شهرتها الكبرى من مقال نشرته عام 1985 بعنوان «بيان السايبورغ: العلم والتكنولوجيا والنسوية الاشتراكية في أواخر القرن العشرين» . والسايبورغ في تعريفها ليس مجرد إنسان آلي، إنه كائن هجين يجمع بين العضوي والآلي، بين الإنسان والحيوان والآلة، وهو كائن لا يحتاج إلى هوية ثابتة أو أصل نقي. وقد استخدمت هاراوي هذه الاستعارة ليس للاحتفال بالتكنولوجيا، بل لتفكيك الثنائيات التي قامت عليها الميتافيزيقا الغربية: العقل/الجسد، الثقافة/الطبيعة، الرجل/المرأة، الحاضر/الغائب . فالسايبورغ، في نظرها، يفضح أن هذه الحدود لم تكن يوماً طبيعية أو بديهية، إنما صُنعت تاريخياً لخدمة علاقات قوة معينة. ومن هنا كانت أطروحتها الجدلية: أنها تفضل أن تكون سايبورغ على أن تكون إلهة، لأن السايبورغ لا يدّعي أصلاً نقياً ولا هوية مكتملة، إنما يعيش في التعدد والالتباس والاختلاط.
لكن هاراوي لم تتوقف عند السايبورغ، إنما طوّرت في الوقت نفسه نظرية معرفية بديلة أسمتها «المعرفة الموقعية» (Situated Knowledges) في مقال نشرته عام 1988 . وتقوم هذه النظرية على رفض وهم «النظرة من العدم» (View from Nowhere) التي تدّعي أن العلم يمكن أن يراقب العالم من موقع محايد وخارجي. فكل معرفة، في نظرها، تنطلق من موقع محدد، من جسد تاريخي واجتماعي وثقافي، ولا يمكن فصل ما نعرفه عن المكان الذي نعرف منه . لكن هذا لا يعني السقوط في النسبية، بل على العكس: الاعتراف بموقعية المعرفة هو ما يجعلها مسؤولة وقابلة للمساءلة، لأن صاحبها لا يستطيع أن يتخفى وراء ادعاء الحياد. وبهذا، فقد أرادت هاراوي أن تبني «علماً مسؤولاً» لا يكتفي بوصف العالم، إنما يعترف بأن الوصف نفسه فعل له تبعات أخلاقية وسياسية.
ثم وسّعت هاراوي مجال اهتمامها من التقنية إلى علاقة الإنسان بالأنواع الأخرى. ففي «بيان الأنواع المصاحبة» (Companion Species Manifesto) الصادر عام 2003، انطلقت من علاقتها بكلبها لتطرح سؤالاً عن «التشارك في التطور» (coevolution) بين البشر والحيوانات الأخرى، وعن إمكانية بناء «سياسة حياة» جديدة لا تقوم على تفوق الإنسان على بقية الكائنات . وفي كتابها «البقاء مع المشكلة» (Staying with the Trouble) الصادر عام 2016، ذهبت إلى أبعد من ذلك، داعية إلى التفكير في «الأنواع المصاحبة» و«صناعة القرابة» مع الكائنات غير البشرية، في مواجهة ما تسميه «التشثولوسين» (Chthulucene)، وهو عصر يقتضي التفكير الجماعي في مستقبل الحياة على الأرض بدلاً من الانتظار السلبي أو التفاؤل التقني.
وإذا كانت هاراوي قد رفضت التصنيفات الجاهزة، فإنها رفضت أيضاً أن تكون نسوية تقليدية أو مناهضة للتكنولوجيا. فهي لم تدعُ إلى رفض العلم، إنما إلى استخدامه لصالح مشروع تحرري، وكانت ترى أن النسوية التي تكتفي بانتقاد التكنولوجيا من الخارج تخسر معركة لا بد من خوضها من الداخل. وربما في هذا الإصرار على أن نعيش مع التناقضات بدلاً من حلها، وأن نعترف بأن معرفتنا جزئية وموقعية، يبقى حضور هاراوي قائماً في كل نقاش عن ما بعد الإنسانية والبيئة والتكنولوجيا والهوية.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق