آخر الأخبار

نيك بوستروم: جعل "الذكاء الخارق" و"محاكاة الكون" سؤالين فلسفيين ملحّين

+حجم الخط-



نادراً في الفلسفة المعاصرة من انتقل من أسئلة الميتافيزيقا المجردة إلى قضايا مستقبل البشرية الوجودية بهذا القدر من الجرأة والانتظام، كما فعل نيك بوستروم. فاسمه ارتبط بمفهوم "الذكاء الخارق" وبحجة "المحاكاة"، وصار واحداً من أكثر المفكرين إثارة للجدل في النقاش العام عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان. 

وُلد في السويد عام 1973، وتكوّن أكاديمياً في بريطانيا، حيث نال الدكتوراه في فلسفة العلم من كلية لندن للاقتصاد، كما حصل على ماجستير في علم الأعصاب الحسابي، وماجستير آخر في الفيزياء والفلسفة . وهو مؤسس "معهد مستقبل الإنسانية" بجامعة أوكسفورد، الذي ترأسه لسنوات، وأحد مؤسسي "الجمعية العالمية لما بعد الإنسانية" (World Transhumanist Association) عام 1998 مع ديفيد بيرس .


وجوهر إسهامه الأول يقوم على حجة "المحاكاة" التي طرحها في مقال عام 2003. وتقوم على فرضية بسيطة لكنها مقلقة: إذا كان ممكناً في المستقبل أن تصل حضارة متقدمة إلى قدرة حاسوبية هائلة، وأن تشغّل "محاكاة أسلاف" (ancestor simulations) لوعي كائنات واعية، فإن أحد ثلاثة احتمالات لا بد أن يكون صحيحاً: إما أن البشرية ستنقرض قبل بلوغ هذه المرحلة، أو أن الحضارات المتقدمة لن تُشغّل مثل هذه المحاكاة، أو أننا نحن أنفسنا نعيش الآن داخل محاكاة حاسوبية . وقد اعترف بوستروم نفسه بأن حَدْسه الشخصي يرجّح الاحتمال الثالث بنسبة لا تقل عن عشرين في المائة، مع تأكيده أنه لا يملك دليلاً قاطعاً على أي من الاحتمالات .


لكن شهرته الأوسع جاءت من كتابه "الذكاء الخارق: المسارات والأخطار والاستراتيجيات" الصادر عام 2014، والذي حذّر فيه من أن الذكاء الاصطناعي إذا تجاوز الذكاء البشري، فقد يصبح خطراً وجودياً على البشرية إذا لم تكن أهدافه متوافقة مع قيمنا . وهو يرى أن الخطر لا يأتي فقط من "الشر" المتعمد، إنما من "سوء المحاذاة" (misalignment): أن يطور الذكاء الخارق وسائل فعّالة لتحقيق أهدافه، دون أن تكون هذه الأهداف بالضرورة في صالح البشر. وقد تحدث في مقابلات حديثة عن سيناريوهات محددة، مثل استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان (open weight models) في تصميم مسببات أمراض خطيرة، أو سيناريو "تمكين" تدريجي حيث يسيطر نظام خارق على العمليات الحيوية في الاقتصاد والمجتمع .


وفي السنوات الأخيرة، وسّع بوستروم أسئلته من الخطر إلى الطوبيا. ففي كتابه "اليوتوبيا العميقة" (Deep Utopia)، يتساءل: ماذا يحدث للإنسان إذا تحقق "العالم المحلول" (solved world) حيث تتولى الآلات كل العمل المنتج، ولم يعد على البشر أن يعملوا لكسب قوتهم؟ . وهو لا يرى في ذلك نهاية Humanity بالضرورة، إنما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى الحياة والتربية والفراغ، قائلاً إن الهدف النهائي للذكاء الاصطناعي يجب أن يكون "اختفاء العمل" بالمعنى الاقتصادي، أي تحرير البشر من الحاجة إلى العمل من أجل البقاء . وبهذا المعنى، فإن بوستروم ليس مجرد "نبي نهاية العالم" كما تصفه بعض العناوين، إنما هو أيضاً مفكر طوباوي يرى أن الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا قد تفتح أبواباً غير مسبوقة للازدهار الإنساني، إذا أُحسن إدارتها .


وإذا كان كانط قد سأل عن حدود العقل، وهايدغر عن معنى الوجود، فإن بوستروم يسأل سؤالاً لا يقل إلحاحاً: هل نحن سادة مستقبلنا، أم مجرد محاكاة في عقل حاسوب آخر؟ وهل الذكاء الذي نصنعه سيكون خادماً لنا أم آخر من يقرر مصيرنا؟ وربما في هذا السؤال، الذي يجمع بين الميتافيزيقا والخطر الوجودي، يبقى حضوره قائماً في كل نقاش عن مستقبل البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي