آخر الأخبار

ليوتار: نهاية "السرديات الكبرى" والدخول في عصر ما بعد الحداثة

+حجم الخط-



قلّ في الفكر المعاصر من ارتبط اسمه بمصطلح واحد إلى حدّ أن صار مرادفاً له، كما ارتبط اسم جان-فرانسوا ليوتار بـ"ما بعد الحداثة". فكتابه الصغير "حالة ما بعد الحداثة" (1979) لم يكن مجرد عرض لفكرة، بل كان الإعلان الذي دخل منه هذا المفهوم إلى الفلسفة والعلوم الاجتماعية، ثم إلى الثقافة العامة كلها. وُلد ليوتار في فرساي في العاشر من أغسطس عام 1924، ودرس الفلسفة في السوربون حيث تخرّج عام 1950، وتعرّف هناك على جيل دولوز . عمل في بداية الخمسينيات مدرساً للفلسفة في الجزائر، وهناك شهد عن قرب وحشية الاستعمار الفرنسي، وهو ما ترك أثراً عميقاً في وعيه السياسي وانخرط بعده في جماعات يسارية راديكالية مناهضة للستالينية وللاستعمار . درّس في جامعة باريس الثامنة (فانسين) منذ عام 1970، وأصبح أستاذاً للفلسفة عام 1972، ثم شارك مع جاك دريدا في تأسيس الكوليج الدولي للفلسفة، وتولى رئاسته بين عامي 1984 و1986 .


أما جوهر أطروحته عن ما بعد الحداثة، فيقوم على تشخيص "فقدان الثقة" في ما يسميه "السرديات الكبرى". فالمجتمعات الحديثة، في نظره، قامت على قصص شاملة تمنح المعرفة والمؤسسات مشروعيتها: قصة تقدّم العقل، وقصة تحرّر البشرية، وقصة تجلّي الروح. لكن هذه السرديات لم تعد قادرة على إقناع أحد، بعد أن كشفت الحرب العالمية الثانية والستالينية والنازية عن الوجه المروع الذي يمكن أن ينتهي إليه مشروع التحرّر الشامل . وليوتار لا يكتفي بتشخيص الأزمة، إنما يرى في زوال السرديات الكبرى تحرّراً: فبدلاً من نظام معرفي واحد يفرض معاييره على الجميع، تصبح المعرفة مجالاً لـ"ألعاب لغوية" متعددة، لكل منها قواعدها الخاصة، ولا يمكن الحكم بينها بمعيار خارجي جامع . وبهذا المعنى، فإن ما بعد الحداثة عنده ليست مرحلة تاريخية لاحقة للحداثة، إنما هي "حالة" تعيشها المعرفة حين تتخلى عن وهم الأساس الواحد.


وقد ارتبط هذا الموقف بموقف سياسي واضح. فليوتار رفض أي نظرية شاملة، سواء كانت هيغلية أو ماركسية، بوصفها مقدمة ضرورية للشمولية. وكان يرى أن النظريات التي تسعى إلى توحيد كل "الأقاصيص" تحت مظلة تفسير واحد لا بد أن تنتهي إلى نظام سياسي يستبد . وفي مقابل ذلك، دافع عن تعدد "الجزر" المعرفية والثقافية، وعن حق كل جماعة صغيرة في أن تحكي قصتها الخاصة دون أن تُبتلع في قصة أكبر. وقد دخل في مناظرة شهيرة مع يورغن هابرماس، حيث رأى الثاني أن مشروع الحداثة لم يُستنفد بعد وأن العقل التواصلي يمكن أن يقدم أساساً جديداً للتفاهم، بينما رأى ليوتار أن هذا مجرد "سردية كبرى" جديدة تعيد إنتاج ما رفضه .


لكن ليوتار لم يكن مجرد "منظّر لما بعد الحداثة"، إنما كان أيضاً فيلسوفاً في الجمال والسياسة واللغة. وفي كتابه "الاختلاف" (Le Différend) الصادر عام 1983، وهو العمل الذي اعتبره هو نفسه "كتابه الفلسفي الأساسي"، طوّر نظرية في "أنظمة الجمل" و"الاختلاف" الذي ينشأ حين يتعين الحكم بين أنظمة لا يمكن قياس بعضها ببعض . وقد استخدم مثالاً مؤلماً: منكرو الهولوكوست الذين يستندون إلى أن شهود المحرقة ماتوا، فلا يمكن الإتيان بدليل على وجود غرف الغاز. هذا ليس مجرد خطأ في الوقائع، إنما "اختلاف" بمعنى أن الضحية لا تجد لغة تستطيع أن تشهد بها، فيُضاف إلى قتلها محو ذكراها . ومن هنا اهتمامه العميق بـ"ما لا يمكن تمثيله"، وبالفن بوصفه المجال الذي يستطيع أن يشهد على ما يفلت من المفاهيم.


توفي ليوتار في باريس في الحادي والعشرين من أبريل عام 1998 . وإذا كان هابرماس قد حاول إنقاذ العقل التواصلي، وكان فوكو قد فكّك العلاقة بين المعرفة والسلطة، فإن ليوتار اختار أن يقف عند حدود "السرديات" ليقول إن كل قصة شاملة تحمل في داخلها بذور استبدادها. وربما في سؤاله الأصعب: هل يمكن أن نعيش معاً دون قصة تجمعنا؟ يبقى حضوره قائماً في زمن يزداد فيه الشك في كل يقين، ويتراجع فيه الإيمان بكل مشروع كوني.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي