آخر الأخبار

هابرماس: أعاد للعقل أداته التواصلية بعد أن كادت تسقط في فخ الأداتية

+حجم الخط-


يُعد يورغن هابرماس أحد أبرز فلاسفة وعلماء اجتماع ألمانيا في النصف الثاني من القرن العشرين، وآخر ممثلي الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقدية. وُلد في دوسلدورف في الثامن عشر من يونيو عام 1929، ونشأ في أسرة بروتستانتية برجوازية في بلدة غومرسباخ قرب كولونيا، حيث كان والده رئيساً للغرفة التجارية المحلية . 

عاش طفولته في ظل ألمانيا النازية، وكان عضواً في منظمة الشباب الهتلري حتى عام 1943، ثم خدم في نهاية الحرب كمسعف، وهي تجربة يقول دارسوه إنها شكلت وعيه السياسي لاحقاً، لا سيما مع محاكمات نورمبرغ التي أكدت له إفلاس النازية وهشاشة الديمقراطية الليبرالية . درس في جامعات غوتنغن وزيورخ وبون، حيث تخصص في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد وعلم النفس، ونال الدكتوراه عام 1954 عن أطروحة في فكر شيلنغ .


بدأ هابرماس مسيرته الأكاديمية مساعداً لأدورنو في معهد البحث الاجتماعي بفرانكفورت منذ منتصف الخمسينيات، ثم درّس في هايدلبرغ، وعاد أستاذاً للفلسفة وعلم الاجتماع في فرانكفورت عام 1964 خلفاً لهوركهايمر . 

بين عامي 1971 و1983 ترأس معهد ماكس بلانك في شتارنبرغ، ثم عاد إلى كرسيه في فرانكفورت حتى تقاعده عام 1994 . لكن أثره لم يتوقف عند الجامعة، فقد ظل حاضراً بقوة في النقاش العام الألماني والأوروبي، من «نزاع المؤرخين» في الثمانينيات إلى مواقفه من أزمة الاتحاد الأوروبي والصراعات الدولية في العقدين الأخيرين .


وجوهر مشروعه الفكري هو تجاوز ما رآه مأزقاً في نظرية مدرسة فرانكفورت الأولى. فقد رأى أن هوركهايمر وأدورنو، في تشاؤمهما إزاء «جدل التنوير» والعقل الأداتي، انتهيا إلى نقد بلا أفق تحرري واضح. فاختار هابرماس طريقاً آخر: بدلاً من رفض العقل جملة، أراد إعادة تأسيسه على أساس جديد، لا على وعي الذات المنفردة كما فعل ديكارت وكانط، بل على أساس العلاقة بين الذوات، أي على التواصل اللغوي المتبادل . وقد سمّى هذا التحول «المنعطف اللغوي» في النظرية النقدية، حيث صارت اللغة لا مجرد أداة تعبير، بل الأساس الذي تقوم عليه إمكانية التفاهم والاتفاق بين البشر .


وقد بلغ هذا المشروع ذروته في كتابه الأهم «نظرية الفعل التواصلي» الصادر عام 1981، وهو العمل الذي وضع فيه مفهوم «الفعل التواصلي» في مقابل «الفعل الأداتي» أو الاستراتيجي . فالفعل الأداتي هو ذلك الذي يتعامل مع الآخرين كوسائل لتحقيق غايات خاصة، بينما الفعل التواصلي هو ذلك الذي يهدف إلى التفاهم المتبادل، حيث يسعى المشاركون فيه إلى الاتفاق على أساس الحجج العقلانية لا على أساس القوة أو الخداع. ويرى هابرماس أن لكل فعل كلامي «ادعاءات صلاحية» ضمنية: ادعاء الصدق، والصواب الأخلاقي، والصراحة، وأن هذه الادعاءات هي ما يمكن أن يُختبر ويُناقش في حوار حر من الإكراه .


ومن هنا تنبع فكرته عن «أخلاق المناقشة» أو أخلاق الخطاب، التي صاغها في الثمانينيات. فهي لا تفرض قيماً محددة سلفاً، بل تضع إجراءً: لا يصح أن يُعدّ معيار أخلاقي صالحاً إلا إذا كان قابلاً لأن يوافق عليه كل من يتأثر به، في حوار عقلاني حر ومنصف . وقد استلهم هابرماس في هذا كانط، لكنه نقل مركز الثقل من الضمير الفردي إلى الحوار الجماعي، ومن «الأنا أفكر» إلى «نحن نتحاور».


وفي تحليله للمجتمع الحديث، طرح هابرماس ثنائية «العالم المعيش» و«النسق». فالعالم المعيش هو مجال التفاهم والتقاليد والهوية، أما النسق فهو مجال المؤسسات والاقتصاد والإدارة التي تعمل وفق منطقين مختلفين: المال والسلطة. وقد حذّر من أن خطر «استعمار العالم المعيش» يهدد المجتمعات الحديثة، حين تتسلل آليات السوق والبيروقراطية إلى مجالات الحياة اليومية التي ينبغي أن تُنظَّم بالتواصل لا بالمال والسلطة . وقد دافع هابرماس بقوة عن «مشروع الحداثة» ضد فلاسفة ما بعد الحداثة، معتبراً أن نقدهم للعقل إنما يتم بأدوات العقل نفسه، وأن الحداثة لم تستنفد بعد إمكاناتها التحررية .


توفي هابرماس في الرابع عشر من مارس عام 2026 في منزله بشتارنبرغ عن ستة وتسعين عاماً . وإذا كان هيغل قد رأى في التاريخ حركة الروح، وماركس قد أراد تغيير العالم، فإن هابرماس اختار طريقاً أكثر تواضعاً وأكثر إلحاحاً: أن نتفاهم أولاً، لا أن نتصارع. فالعقل عنده ليس ملكاً فردياً يُدير العالم، بل ملكية مشتركة لا تتحقق إلا حين يرفع الناس أصواتهم بحرية، ويستمع بعضهم إلى بعض، ويقبلون أن يُصححوا أنفسهم بالحجة لا بالقوة.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي