قلّ في تاريخ الفلسفة المعاصرة من أثار جدلاً واستقطاباً بحجم ما أثار جاك دريدا، فاسمه ارتبط بمفهوم "التفكيك" الذي تجاوز حدود الفلسفة إلى الأدب والنقد القانوني والعمارة والعلوم الاجتماعية، حتى صار أحد أكثر المصطلحات تداولاً وإثارة للجدل في القرن العشرين.
وُلد جاك دريدا في الخامس عشر من يوليو عام 1930 في بلدة البيار بالجزائر، لأسرة يهودية سفاردية، وكان اسمه عند الولادة "جاكي" قبل أن يغيّره لاحقاً إلى "جاك" . غادر الجزائر إلى فرنسا عام 1949 لدراسة الفلسفة، والتحق بمدرسة الأساتذة العليا المرموقة في باريس، حيث تأثر بالفينومينولوجيا وخاصة بأعمال إدموند هوسرل، وكانت أول منشوراته الكبرى ترجمة فرنسية لكتاب هوسرل "أصل الهندسة" عام 1962 . عمل أستاذاً للفلسفة ومنطق العلوم في جامعة السوربون ومدرسة الأساتذة العليا لنحو ثلاثين عاماً، كما درّس كأستاذ زائر في جامعات أمريكية كبرى مثل ييل وجونز هوبكنز .
في عام 1967، نشر دريدا ثلاثة كتب دفعة واحدة شكلت أساس مشروعه التفكيكي: "الكتابة والاختلاف"، و"في علم الكتابة"، و"الصوت والظاهرة" . وقد أحدثت هذه الكتب انقلاباً في طريقة قراءة النصوص الفلسفية والأدبية، إذ لم تكن مجرد نقد لمدرسة بعينها، إنما محاولة لمساءلة الأسس التي قام عليها الفكر الغربي كله منذ أفلاطون. وفي عام 1983 أسس "معهد الفلسفة الدولي" وتولى إدارته حتى عام 1985، وظل يدرّس ويكتب حتى وفاته في مستشفى بباريس في التاسع من أكتوبر عام 2004، بعد معاناة مع سرطان البنكرياس، عن أربعة وسبعين عاماً .
أما جوهر التفكيك، فيقوم على فكرة أن النصوص الفلسفية والأدبية لا تحمل معنى واحداً ثابتاً ومكتملاً، إنها تحمل في داخلها تناقضات وهامشاً يفضح ما تحاول إخفاءه. وقد رأى دريدا أن الميتافيزيقا الغربية بأكملها قامت على "ثنائيات" متضادة، مثل الكلام/الكتابة، والحضور/الغياب، والعقل/الحس، والمركز/الهامش، حيث تُمنح دائماً الأولوية لأحد الطرفين على حساب الآخر . والكلام عند دريدا لم يكن مجرد صوت، إنما رمزاً لـ"ميتافيزيقا الحضور" التي تريد أن يكون المعنى حاضراً بكامله أمام الوعي، بينما الكتابة تُستبعد بوصفها مجرد بديل ثانوي . والتفكيك هنا لا يعني الهدم بمعنى التخريب، إنما يعني إظهار كيف ينقض النص نفسه، وكيف أن الهامش الذي يبدو ثانوياً قادر على تفكيك المركز وإظهار هشاشته . وقد استخدم دريدا مفهوم "الاختلاف" (différance) بمعنى أن المعنى لا يتحدد إلا عبر التأجيل والاختلاف مع غيره، فلا وجود لمعنى أصلي حاضر بكماله، بل دلالات تتباعد وتتأجل بلا نهاية.
وقد أثار هذا المشروع ردود فعل غاضبة، لا سيما من الفلاسفة التحليليين الذين اتهموه بالغموض والعبثية، حتى إن مجموعة من أساتذة جامعة كامبريدج حاولت عام 1992 منع منحه درجة الدكتوراه الفخرية، لكن التصويت جاء لصالحه . وقد دافع دريدا عن نفسه بالقول إن الهجمات العنيفة على عمله تعود جزئياً إلى أنه يمس بـ"قواعد الخطاب السائد" ويسعى إلى "تسييس الجامعة" ودمقرطتها . وفي سنواته الأخيرة، اتجه فكره نحو قضايا الأخلاق والسياسة والعدالة، فنشر "أشباح ماركس" عام 1994 و"سياسات الصداقة" عام 1994، حيث عالج مسائل المسؤولية والضيافة والعلاقة بالآخر .
وإذا كان فوكو قد فكّك العلاقة بين المعرفة والسلطة، وهابرماس قد بحث عن العقل التواصلي، فإن دريدا اختار أن يقف عند حدود اللغة نفسها، ليقول إن ما نعتبره "معنى" ليس إلا أثراً لاختلافات لا تنتهي، وإن كل نص يحمل في داخله ما ينقضه. وربما في هذا الإصرار على أن لا شيء يفلت من المساءلة، حتى الفكر الذي يسائل نفسه، يبقى حضوره قائماً، لا كنسق مغلق، بل كحركة لا تتوقف.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق