آخر الأخبار

مايكل والزر

+حجم الخط-

 



وُلد مايكل لابان والزر في 3 مارس 1935 في مدينة نيويورك، في عائلة يهودية تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وكان والده يعمل في تجارة الأقمشة. درس في جامعة برانديز حيث حصل على البكالوريوس عام 1956، ثم انتقل إلى جامعة هارفارد حيث نال الماجستير عام 1960، ثم إلى جامعة كامبريدج في إنجلترا حيث حصل على الدكتوراه عام 1961 بإشراف المؤرخ والفيلسوف إسحاق برلين. عمل بعد ذلك أستاذًا في جامعة برينستون بين عامي 1962 و1966، ثم انتقل إلى جامعة هارفارد حيث درّس حتى وفاته، وشغل فيها كرسي أستاذية في العلوم الاجتماعية، وكان من مؤسسي مجلة «فلسفة والشؤون العامة» ورئيس تحريرها لسنوات طويلة. توفي في 14 يناير 2019 في ليكسينغتون بولاية ماساتشوستس عن 83 عامًا.


كان سؤاله المركزي هو: ما معنى العدالة في مجتمع يتعدد فيه الخير نفسه؟ وكيف يمكن أن نوزع الخيرات الاجتماعية دون أن نفرض تصورًا واحدًا للخير على الجميع؟ وقد انطلق من نقد عميق لليبرالية السياسية السائدة في عصره، وخاصة نظرية جون رولز في «نظرية في العدالة»، ورأى أنها تفترض وجود «ذات غير مشروطة» أو «خالية من الارتباطات»، أي إنسان يختار مبادئه بمعزل عن تاريخه وجماعته وقيمه، وهذا تصور غير واقعي للإنسان، لأن الهوية تتشكل بالانتماءات والالتزامات التي لا يمكن أن نختارها بحرية تامة.


في كتابه «سبيل الخروج من الليبرالية» الذي صدر عام 1989، جمع والزر مقالاته التي هاجم فيها الليبرالية السياسية من موقع «الجماعاتية»، ورأى أن الليبرالية تفترض وجود فرد حر مستقل يختار قيمه بمعزل عن جماعته، بينما الإنسان في الواقع كائن اجتماعي تتشكل هويته داخل جماعة وتاريخ وثقافة. وقد قال إن الليبرالية «تقدم نفسها كفلسفة سياسية للجميع، لكنها في الحقيقة فلسفة لجماعة واحدة هي جماعة الليبراليين». ومن هنا جاء نقده لمفهوم «العدالة كإنصاف» عند رولز، ورأى أن مبادئ العدالة لا يمكن أن تُختار في وضع افتراضي معزول عن التاريخ والثقافة، إنما تُستمد من تقاليد جماعة معينة وخيراتها المشتركة.


وفي كتابه «المجالات العدالة» الذي صدر عام 1983، قدّم نظريته البديلة في العدالة التوزيعية، وهي نظرية «المجالات المتعددة». وقد رأى أن الخيرات الاجتماعية لا تشكل مجالًا واحدًا يمكن توزيعه بمعيار واحد، إنما هي مجالات متعددة ومستقلة نسبيًا، ولكل مجال معياره الخاص في التوزيع: فمجال الصحة له معياره، والتعليم، المال، والسلطة السياسية، والعضوية في الجماعات. والعدالة لا تتحقق بتطبيق معيار واحد على كل المجالات، إنما بالحفاظ على استقلال كل مجال بمعياره الخاص، ومنع «الاحتكار» أو «الهيمنة» التي تحدث عندما يستخدم شخص أو جماعة تفوقهم في مجال ما للسيطرة على مجالات أخرى. فالظلم الأكبر عنده ليس التفاوت في التوزيع، إنما «الهيمنة» التي تجعل من يملك المال قادرًا على شراء الرعاية الصحية أو التعليم أو النفوذ السياسي، فيصبح المال وسيلة لاحتكار المجالات الأخرى.


وفي مجال آخر، برز والزر كواحد من أبرز فلاسفة الحرب العادلة في القرن العشرين. في كتابه «الحروب العادلة وغير العادلة» الذي صدر عام 1977، دافع عن فكرة أن الحرب يمكن أن تكون عادلة إذا استوفت شروطًا أخلاقية معينة، وهاجم في الوقت نفسه فكرة «الواقعية السياسية» التي ترى أن الحرب مجال لا أخلاق له. وقد قال إنه في زمن كانت فيه الحرب الباردة تهدد العالم بالدمار النووي، كان يريد أن يجد «أرضية أخلاقية مشتركة» بين الناس من مختلف الأديان والفلسفات، ووجدها في «قانون الحرب» الذي يمتد من العصور القديمة إلى ميثاق الأمم المتحدة، وهو قانون لا يعتمد على دين معين بل على اتفاق إنساني عام.

وقد ميّز في هذا الكتاب بين «نظرية الحرب العادلة» في شروط اللجوء إلى الحرب (jus ad bellum)، أي الحرب لا تكون عادلة إلا في حالة الدفاع عن النفس أو رد عدوان واضح، وبين «نظرية الحرب العادلة» في سلوك الحرب (jus in bello)، أي أن المتحاربين يجب أن يميزوا بين المقاتلين والمدنيين، وأن يعاملوا الأسرى معاملة إنسانية، وأن يلتزموا بمبدأ التناسب في استخدام القوة. وقد رأى أن الحرب لا تُشن إلا كملاذ أخير، وأن الغاية لا تبرر كل الوسائل، وأن الأخلاق لا تتوقف عند باب ساحة المعركة.


أثّر والزر تأثيرًا واسعًا في الفلسفة السياسية والأخلاقية، وكان واحدًا من أهم ممثلي «الجماعاتية» في الفلسفة السياسية الأمريكية، إلى جانب مايكل ساندل وألاسدير ماكنتاير وتشارلز تايلور. وقد أثّر في النقاشات حول العدالة والتوزيع والهيمنة والمجالات، وفي فلسفة الحرب العادلة، وفي النقاشات حول التعددية الثقافية والانتماء والهوية. وقد قال عنه تلميذه مايكل ساندل إنه «أعاد للفلسفة السياسية إحساسها بالتاريخ والجماعة والخير المشترك»، ووصفه آخرون بأنه «أحد أعمق المفكرين السياسيين في القرن العشرين».


لكنه انتُقد بشدة أيضًا. اتُّهم في «المجالات العدالة» بأنه يفتح الباب للنسبية الثقافية، إذ إذا كانت كل جماعة تحدد معايير العدالة بنفسها، فكيف يمكن أن نحكم بين جماعة وأخرى؟ وقد حاول والزر أن يجيب عن هذا بأن المعايير ليست نسبية تمامًا، لأن أي جماعة تحمل في داخلها إمكانية النقد والتغيير، وأن الفيلسوف يمكن أن يلعب دور «الناقد الاجتماعي» الذي يكشف التناقضات داخل التقاليد. لكن هذا الجواب لم يقنع كل منتقديه. واتُّهم في نقده لليبرالية بأنه يقدّم بديلًا غامضًا لا يصلح لعالم متعدد الثقافات كما هو عالمنا اليوم. واتُّهم في «الحروب العادلة وغير العادلة» بأنه يفترض إمكانية التمييز الواضح بين المقاتلين والمدنيين، بينما الحروب الحديثة تمحو هذا الحد، وأن معاييره في الحرب العادلة صعبة التطبيق في عالم الأسلحة النووية والطائرات المسيرة والحروب الإلكترونية. واتُّهم في حياته السياسية بأنه كان من مؤيدي حرب فيتنام في بداياتها، ثم تحوّل إلى نقدها لاحقًا، وهو ما اعتبره بعضهم تراجعًا متأخرًا.


يبقى والزر مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش العام: كيف نوزع الخيرات الاجتماعية بلا هيمنة؟ ما معنى العدالة في مجتمع متعدد الخيرات والمعايير؟ كيف نحافظ على استقلال مجالات الصحة والتعليم والسياسة عن المال؟ ما شروط الحرب العادلة في زمن الطائرات المسيرة والأسلحة الذكية؟ وكيف نعيش معًا في مجتمعات متعددة الثقافات بلا أن نفرض تصورًا واحدًا للخير؟ 
لم يقدّم والزر وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن العدالة ليست معيارًا واحدًا يُطبّق على كل شيء، إنما فن الحفاظ على استقلال المجالات ومنع الهيمنة، وأن أعظم ظلم ليس التفاوت في المال، إنما أن يستخدم من يملك المال قوته للسيطرة على كل مجالات الحياة.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي