وُلد دايفيد إميل دوركهايم في إيبينال في إقليم فوج بفرنسا في الخامس عشر من أبريل عام ألف وثمانمئة وثمانية وخمسين، في عائلة يهودية متدينة، إذ كان والده وجده وأبوه الأكبر حاخامات، وكان من المتوقع أن يخلفهم في هذه المهنة. لكنه اختار طريقًا آخر، فانتقل إلى باريس ليدرس في المدرسة العليا للأساتذة، وهي المؤسسة التي تخرّج فيها نخبة الفكر الفرنسي، وهناك تأثر بشارل رينوفييه وشارل سكوتس، ودرس الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتاريخ. وكان في شبابه جمهوريًا مخلصًا للقيم الديمقراطية والعلمانية، ورأى في الجمهورية الفرنسية الثالثة مشروعًا أخلاقيًا يحتاج إلى أساس علمي، لا إلى أساطير دينية أو سلطوية. عمل بعد تخرجه أستاذًا للفلسفة في المدارس الثانوية في سانس وسان كوينتن وتروا، ثم سافر إلى ألمانيا حيث درس على يد فونت في علم النفس التجريبي، ثم عاد إلى فرنسا وأصبح أول أستاذ لعلم الاجتماع في جامعة بوردو عام ألف وثمانمئة وسبعة وثمانين، وأول من درّس هذا العلم في جامعة فرنسية، ثم انتقل إلى السوربون عام ألف وتسعمئة واثنين، حيث بقي حتى وفاته عام ألف وتسعمئة وسبعة عشر عن تسعة وخمسين عامًا فقط، بعد أن ترك خلفه مدرسة كاملة في علم الاجتماع والفلسفة والأنثروبولوجيا، ومجلة «السنة السوسيولوجية» التي أسّسها عام ألف وثمانمئة وثمانية وتسعين، والتي ظلت لسنوات منبر مدرسته ومركزها النظري.
كان سؤاله المركزي هو: ما هو المجتمع؟ وكيف يختلف عن مجموع الأفراد الذين يتكون منهم؟ وما هي القوى التي تحفظ تماسكه أو تهدده بالتفكك؟ وكيف يمكن أن نبني علمًا للمجتمع كما بنينا علمًا للطبيعة؟ كان يرى أن علم الاجتماع يجب أن يدرس «الوقائع الاجتماعية» بوصفها أشياء، لا بوصفها أفكارًا أو انفعالات فردية، وأن لهذه الوقائع خصائص لا يمكن تفسيرها بعلم النفس الفردي ولا بالأحياء ولا بالفيزياء. والواقعة الاجتماعية عنده ليست كل ما يحدث في المجتمع، إنما هي كل طريقة في الفعل والتفكير والشعور تكون خارجية عن الفرد، ومُسَلَّطة عليه من الخارج، وعامة في جماعة معينة. وهذه الخصائص الثلاث، الخارجية والسلطة والعلم، هي التي تميز الواقعة الاجتماعية، وهي التي تجعل المجتمع قوة مستقلة عن الأفراد، لا مجرد مجموع لهم.
أول كتبه الكبرى هو «في تقسيم العمل الاجتماعي» عام ألف وثمانمئة وثلاثة وتسعين، وهو أطروحته للدكتوراه، وفيه طرح مسألة التضامن الاجتماعي، أي ما الذي يجعل المجتمع متماسكًا. وميّز بين نوعين من التضامن: تضامن آلي، ويقوم على التشابه، كما في المجتمعات القديمة التي يكون فيها الأفراد متشابهين في العمل والاعتقاد والحياة، فيكون تماسكهم ناتجًا من تماثلهم، ويكون القانون قهريًا زجريًا لأن ما يخالف الجماعة يُقصى؛ وتضامن عضوي، ويقوم على التقسيم والاختلاف، كما في المجتمعات الحديثة التي يتوزع فيها العمل وتختلف المهن، فيكون كل فرد محتاجًا إلى الآخر بسبب اختلافه عنه لا بسبب تشابهه معه. ويرى دوركهايم أن تطور المجتمعات يسير من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي، وأن هذا الانتقال ليس شرًا كما يظن بعض المحافظين ولا خيرًا محضًا كما يظن بعض المتفائلين، إنما هو تحول في طبيعة الرابطة الاجتماعية يستلزم أخلاقًا جديدة وقانونًا جديدًا. لكنه لاحظ أن التطور لا يسير دائمًا بسلام، فحين لا تُنظَّم العلاقة بين المهن والوظائف في المجتمع الحديث، يظهر ما سماه «التقسيم القسري للعمل»، وهو أن يوزّع العمل قسرًا بحسب الطبقة أو الأصل أو الثروة لا بحسب الكفاءة، وهذا ينتج صراعًا وفوضى وتفككًا. وقد رأى أن مهمة الإصلاح الاجتماعي هي إقامة العدالة في توزيع الوظائف، لا إلغاء التقسيم نفسه.
ثم جاء كتابه الأشهر والأكثر تأثيرًا في علم الاجتماع كله: «قواعد المنهج السوسيولوجي» عام ألف وثمانمئة وخمسة وتسعين، وهو الكتاب الذي وضع فيه أساس المنهج العلمي لدراسة المجتمع. وفيه قال قولته الشهيرة: «يجب أن نعتبر الوقائع الاجتماعية أشياء»، ومعنى ذلك أن ندرسها بموضوعية كما يدرس عالم الطبيعة ظواهره، لا أن نبدأ من أفكارنا المسبقة عنها ولا من مشاعرنا تجاهها. وقد حذّر من «الأفكار المسبقة» أو ما سماه «الطليعة»، أي المفاهيم الشائعة التي نستخدمها بلا فحص، مثل «الحرية» و«التقدم» و«الديمقراطية»، ودعا إلى تعريف الوقائع الاجتماعية تعريفًا عمليًا لا انفعاليًا. وميّز بين «الشرح» أي بيان سبب وجود ظاهرة اجتماعية، و«الوظيفة» أي بيان ما تقدمه هذه الظاهرة من خدمة للمجتمع، ورأى أن البحث الاجتماعي يجب أن يجمع بين الاثنين، لأن سؤال «لماذا ظهر هذا؟» لا يكفي وحده، ولا سؤال «ما وظيفته؟» يكفي وحده. وأدخل فكرة «المتغير المرافق» في البحث الاجتماعي، بمعنى أنه إذا ثبت أن ظاهرتين تتغيران معًا في جميع الحالات الممكنة، ويمكن استبعاد الأسباب الأخرى، فإن هذا يسمح باستنتاج علاقة سببية محتملة، وهو منهج سيصبح أساس الإحصاء الاجتماعي والتحليل السببي في العلوم الاجتماعية.
وفي عام ألف وثمانمئة وسبعة وتسعين، نشر كتابه الأشهر على الإطلاق: «الانتحار: دراسة في علم الاجتماع»، وهو كتاب فريد في تاريخ العلوم الاجتماعية، إذ حوّل ظاهرة تبدو أكثر الظواهر فردية وشخصية، وهي انتحار الفرد لنفسه، إلى موضوع لدراسة اجتماعية. جمع دوركهايم فيه آلاف الإحصاءات من دول أوروبا ومن مناطق مختلفة، وحلّلها تحليلًا دقيقًا، واستخرج منها استنتاجًا صادمًا: أن معدلات الانتحار لا تتغير كثيرًا بين سنة وأخرى في مجتمع معين، وأنها تختلف بين المجتمعات اختلافًا منتظمًا، وأنها تتأثر بالدين والحالة الاجتماعية والاقتصاد والعمر والجنس والحالة المدنية، حتى إنها تكون في الحالات العادية مستقرة إلى حدّ يجعلها ظاهرة اجتماعية بالمعنى الدقيق. وميّز دوركهايم بين أربعة أنواع من الانتحار: الانتحار الأناني، الذي يحدث حين يصبح الفرد معزولًا عن الجماعة، فلا يجد ما يربطه بالحياة، كما يحدث في المجتمعات التي تضعف فيها الروابط الدينية والأسرية؛ والانتحار الإيثاري، الذي يحدث حين يذوب الفرد في الجماعة إلى حدّ أن يفديها بحياته، كما في الجيوش والمجتمعات القبلية؛ والانتحار اللامعياري، الذي يحدث حين تختل المعايير الأخلاقية وتنهار القيود، كما في فترات الأزمات الاقتصادية أو الازدهار المفاجئ؛ والانتحار القدري، الذي ينتج من فرط القيود وإحكام القواعد على الفرد، كحال العبيد والسجناء. وقد انتهى دوركهايم إلى أن الانتحار ظاهرة اجتماعية بالمعنى الكامل، لأنه ينتج من علاقة الفرد بالمجتمع، ومن درجة اندماجه فيه ومن درجة تنظيمه الأخلاقي، لا من أسباب نفسية أو جسدية فردية فقط.
وفي عام ألف وثمانمئة واثنين وتسعين، بعد سنوات من النقاش والصراع الفكري مع ابن أخته مارسيل موس، نشر «الصور الأولية للتصنيف الديني» بالفرنسية، وهو واحد من أعظم كتب الأنثروبولوجيا الدينية في القرن العشرين. في هذا الكتاب، درس دوركهايم ومارسيل موس التصنيفات الذهنية الأولى عند المجتمعات البدائية، وخاصة عند قبائل الأستراليين الأصليين، وانتهيا إلى أن التصنيفات المنطقية الأولى، أي تقسيم الأشياء إلى أنواع وأجناس ومجموعات، هي في أصلها تصنيفات اجتماعية، أي أن البشر الأوائل صنّفوا العالم كما كانوا يصنّفون جماعتهم. وهكذا بيّن أن المنطق نفسه ظاهرة اجتماعية، وأن «المقولات الأساسية» في الفكر البشري، من الزمان والمكان والعدد والسبب والجوهر، ليست صورًا فطرية في الذهن كما قال كانط، ولا نتاجًا للتجربة الفردية وحدها كما قال التجريبيون، إنما نتاج تطور اجتماعي، ولها جذور في التنظيم الاجتماعي والديني. وهذه الفكرة أثرت تأثيرًا هائلًا في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع المعرفي وعلم الأديان، وصارت حجر الأساس لنظرية «التمثيل الاجتماعي»، ولفكرة أن العقل البشري نفسه مشكّل اجتماعيًا.
وقد طرح في هذا الكتاب مفهوم «التقديس» أو «المقدس» الاجتماعي، ورأى أن كل جماعة تنتج لنفسها شيئًا مقدسًا، وأن هذا المقدس ليس صفة في الأشياء، بل شيء يمنحه المجتمع لبعض الرموز والأشخاص والأماكن، حتى إنه قال إن «المجتمع هو الذي يُقدس نفسه حين يقدس شيئًا»، وأن الطوطم ليس إلهًا حقيقيًا، إنما هو رمز الجماعة نفسها، وأن الطاقة التي يشعر بها المؤمن في الرمز الديني ليست إلا الطاقة التي يبثها المجتمع في الفرد حين يجتمعون في الطقوس والاحتفالات. وبهذا كان دوركهايم من أوائل من درسوا الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية، لا بوصفه خطأ معرفيًا أو وهمًا نفسيًا، ولا بوصفه حقًا مفارقًا لا يمكن دراسته. وقد أثار هذا الكتاب جدلًا واسعًا مع اللاهوتيين، وبعض الفلاسفة، وبعض علماء الاجتماع الذين رأوا فيه اختزالًا للدين في المجتمع، وردّ دوركهايم بأنه لا ينفي المعنى الديني ولا يبطل التجربة الدينية، بل يدرسها بوصفها تجربة اجتماعية لها بنيتها ووظائفها، وأنه لا يمكن أن نتحدث عن الدين بلا أن نتحدث عن الجماعة التي تنتجه وتحيا فيه.
ولم يقتصر دوركهايم على النظرية، إنما كان في مقدمة المنخرطين في إصلاح التعليم في فرنسا، وكان من أبرز المهندسين الفكريين لفكرة «الأخلاق المدنية» التي يمكن أن تُدرّس في المدارس بديلًا عن التعليم الديني في الجمهورية العلمانية. ودعا إلى أن تكون المدرسة هي أداة تشكيل الوجدان الجماعي والأخلاق المشتركة، وأن التربية ليست نقل معلومات بل تشكيل قيم وأخلاق وروابط اجتماعية، وأن غاية التربية أن تنتج «الكائن الاجتماعي» في الفرد، أي المواطن الذي يستطيع أن يعيش في جماعة ديمقراطية حديثة. وكتب في هذه الفترة كتاب «التربية والأخلاق» و«التربية وعلم الاجتماع»، ومحاضرات عن «الأخلاق المدنية» صدرت بعد وفاته. وكان من أشد المدافعين عن الفصل بين الدين والدولة، وعن المدرسة الجمهورية، وعن الأخلاق التي لا تحتاج إلى عقيدة دينية لتعمل.
تأثر دوركهايم بمونتسكيو وروسو في فكرة القانون والجماعة، وسبنسر في التطور، وكانط في الأخلاق والواجب، وبرغسون في مرحلة من حياته، وخاصة فونت في علم النفس التجريبي، وأوغست كونت في الدعوة إلى علم اجتماعي، لكنه انفصل عن كونت لأنه أراد أن يبني علم الاجتماع على البحث الميداني والإحصاء لا على الميتافيزيقا. وأثّر دوركهايم في كل علم الاجتماع بعد ذلك، وفي الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وفي الدراسات الدينية، وفي علم الاجتماع التربوي، وفي فلسفة العلوم الاجتماعية. وكان من أبرز تلاميذه مارسيل موس وروبرت هيرتز ومرسيل غرانيه وبيير فوكار، وممن تأثر به في بريطانيا ماليشاوسكي ورادكليف براون وإيفانز بريتشارد، وفي أمريكا تالكوت بارسونز وروبرت ميرتون، ومن الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين أنطوني غيدنز وبيير بورديو وريمون آرون وكلود ليفي شتراوس. وتُعدّ مدرسته «السوسيولوجيا الفرنسية» إحدى أهم مدارس علم الاجتماع في العالم، ومنها انطلق علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع المعرفي وعلم الاجتماع الوظيفي.
لكن دوركهايم انتُقد بشدة، ولا تزال نقوده جزءًا من النقاش المعاصر. اتُّهم بالوظيفية المفرطة، إذ رأى في كل ظاهرة اجتماعية وظيفة تحفظ النظام، فبدت المجتمع عنده متناسقًا أكثر من كونه صراعًا. واتُّهم بأنه أهمل الصراع الطبقي والسلطة والهيمنة، وأن نظريته في التضامن العضوي لم تشرح الفقر والاستغلال في المجتمع الصناعي الذي كان يدرسه. واتُّهم بأنه جعل المجتمع أشبه بكائن فوق الأفراد، وأنه أذاب الفرد في الجماعة، وأنه قدّم تصورًا أخلاقيًا محافظًا حين جعل غاية التربية إنتاج الكائن الاجتماعي المطيع. واتُّهم في نظرية التصنيف في «الصور الأولية» بأنه قدّم تفسيرًا اجتماعيًا للمنطق يُلغِي الاستقلال النسبي للعقل، وأنه لم يقدّم أدلة كافية من الإثنوغرافيا، وأنه بالغ في دور الطوطمية في حياة الأستراليين. واتُّهم في دراسته للانتحار بأنه أهمل الحالات الفردية والعوامل النفسية والجسدية، وأنه بنى على إحصاءات قد تكون غير موثوقة، خاصة وأنه اعتمد على تصنيفات إدارية للانتحار قد لا تكون دقيقة. واتُّهم بأنه قفز من الأرقام إلى الاستنتاجات، وأنه لم يعطِ وزنًا كافيًا للفروق الثقافية والاقتصادية بين الدول التي قارنها. وقد اتُّهم أيضًا في حياته الشخصية بأنه كان قاسيًا على خصومه، متعصبًا لمدرسته، شديد الإدارة لجماعته الأكاديمية، حتى قال بعض معاصريه إنه لا يسمح لأحد بأن ينشر في «السنة السوسيولوجية» إذا لم يكن من مدرسته.
يبقى دوركهايم مهمًا اليوم لأن أسئلته لم تُغلق: ما الذي يجمع المجتمعات الحديثة مع تعددها وتنوعها؟ كيف نحافظ على التضامن في زمن الفردية المتطرفة؟ ما معنى الأخلاق بلا دين؟ كيف نبني مدرسة جمهورية تُنتج مواطنين لا أتباعًا؟ لماذا تتفاوت معدلات الانتحار بين المجتمعات، وكيف نفهم الأزمات النفسية بوصفها ظواهر اجتماعية؟ كيف يتشكّل العقل نفسه في سياق اجتماعي؟ وكيف نفهم الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية بلا أن نُلغِيَه ولا أن نقدّسه؟ لم يقدّم دوركهايم وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن المجتمع ليس مجرد مجموع أفراد، وأن الفرد لا يستطيع أن يفهم نفسه بلا الجماعة التي ينتمي إليها، وأن العلم يمكن أن يدرس المجتمع كما يدرس الطبيعة، بشرط أن يحترم تعقيده وخصوصيته. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومركزيًا، حتى في نقد مذهبه نفسه.
تعليقات: (0) إضافة تعليق