قليلون هم من تركوا أثراً عميقاً في العلوم الإنسانية والاجتماعية بحجم ما تركه ميشيل فوكو، دون أن يكونوا فلاسفة بالمعنى التقليدي، إنما "مؤرخاً للأنظمة الفكرية" كما وصف نفسه. وُلد بول ميشيل فوكو في الخامس عشر من أكتوبر عام 1926 في مدينة بواتييه الفرنسية، لأبٍ طبيب جرّاح كان يريد لابنه أن يرث مهنته، لكن فوكو اختار طريقاً آخر، مدفوعاً بشغف مبكر بالفلسفة وعلم النفس . تخرّج في مدرسة الأساتذة العليا المرموقة، وحصل على إجازات في الفلسفة وعلم النفس، ثم انضم لفترة قصيرة إلى الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يغادره . عمل في التدريس الجامعي في السويد وبولندا وألمانيا قبل أن يعود إلى فرنسا وينال الدكتوراه عام 1961 عن أطروحته التي نُشرت لاحقاً تحت عنوان "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" .
في عام 1970، انتُخب فوكو لكرسي "تاريخ أنظمة الفكر" في الكوليج دو فرانس، وهو أعلى منصب أكاديمي في فرنسا، وظل يشغله حتى وفاته . لكن فوكو لم يكن أكاديمياً منعزلاً في برجه العاجي؛ فقد كان منخرطاً في القضايا الاجتماعية، مناهضاً للسجون، ومدافعاً عن حقوق المثليين، وناشطاً في قضايا اللاجئين وحقوق الإنسان . توفي في باريس في الخامس والعشرين من يونيو عام 1984، عن سبعة وخمسين عاماً، بعد معاناة مع مرض الإيدز .
أما جوهر مشروعه الفكري، فيقوم على فكرة محورية واحدة: أن المعرفة والسلطة ليسا مجالين منفصلين، إنما وجهان لعملة واحدة. فما نعرفه، وما نعتبره "حقيقة" علمية أو طبية أو نفسية، ليس مجرد اكتشاف محايد للواقع، إنما هو نتاج علاقات قوة وأنماط خطاب سائدة في زمن معين. ومن هنا كانت مهمته هي "أركيولوجيا" المعرفة، أي الحفر تحت سطح الأفكار الجاهزة للكشف عن الشروط التاريخية التي جعلتها ممكنة . وقد بدأ هذا المشروع في كتابه الأول عن الجنون، حيث رأى أن ما نسميه "المرض العقلي" ليس حقيقة طبية ثابتة، إنه تصنيف أنتجته المجتمعات الحديثة لعزل من ترفضهم، وأن المصحات لم تكن مؤسسات علاج بقدر ما كانت مؤسسات إقصاء . وفي "المراقبة والعقاب"، تتبع فوكو تحول العقاب من التعذيب الجسدي العلني في العصور الوسطى إلى السجن والانضباط الخفي في العصر الحديث، ورأى أن السجن ليس مجرد عقوبة، إنه أداة لصناعة "المجرم" وإعادة تشكيله وفق معايير النظام الاجتماعي .
لكن فوكو لا يرى السلطة كشيء يملكه أحد ويُفرض على آخرين من فوق، إنما كشبكة علاقات تنتشر في كل مكان، في المؤسسات والخطابات والممارسات اليومية، وهي سلطة "منتجة" لا "قمعية" فقط: تنتج الذوات والهويات والأجساد التي نعتبرها "طبيعية". وقد تجلى هذا التحليل بأوضح صوره في "تاريخ الجنسانية"، حيث رأى أن الجنس ليس غريزة بيولوجية يُكبتها المجتمع، إنما مجالاً أنتجت فيه الخطابات الحديثة (الطبية والنفسية والدينية) "حقيقة" الجنس ذاته، وصنّفت السلوك البشري إلى سوي وشاذ، وطبيعي ومرضي . وبهذا، فقد فوكو صورة الفيلسوف الذي يقدم إجابات، وصار من يطرح أسئلة مزعجة: لماذا نعتبر هذا الشيء "حقيقة"؟ ومن يستفيد من هذا الاعتبار؟ وما الذي يُستبعد بصمت حين نُعلن هذه الحقيقة؟
وقد رفض فوكو أن يُصنّف ضمن البنيوية أو ما بعد البنيوية أو ما بعد الحداثة، رغم أن اسمه ارتبط بهذه التيارات . وإذا كان كانط قد سأل عن حدود العقل، وهايدغر عن معنى الوجود، فإن فوكو سأل سؤالاً لا يقل خطورة: من يملك سلطة تعريف ما هو "عقل" وما هو "جنون"؟ وما هو "صحيح" وما هو "منحرف"؟ وربما في هذا السؤال، الذي لا يزال يفتح أبواباً للنقاش، يبقى حضوره قائماً.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق