آخر الأخبار

فيتغنشتاين: الفيلسوف الذي جاء مرتين، وفي كل مرة قلب الفلسفة رأساً على عقب

+حجم الخط-


قلّ في تاريخ الفلسفة من ينطبق عليه وصف "فيلسوفان في رجل واحد" كما ينطبق على لودفيغ فيتغنشتاين. فمسيرته الفكرية تنقسم إلى مرحلتين متعارضتين تماماً، أنتج في الأولى عملاً اعتُبر الإنجاز الأعظم للفلسفة التحليلية في بداياتها، ثم عاد في الثانية لينقض معظم ما قاله في الأولى، مؤسساً لرؤية جديدة غيّرت مسار الفلسفة في النصف الثاني من القرن العشرين.


وُلد فيتغنشتاين في السادس والعشرين من أبريل عام 1889 في فيينا، لأسرة شديدة الثراء تنتمي إلى الطبقة العليا المثقفة، وكان أصغر أبناء أبيه الثمانية . كان بيت آل فيتغنشتاين من مراكز الحياة الثقافية في فيينا، وتردد عليه مشاهير الموسيقى والفن، لكن العائلة حملت أيضاً قدراً من المأساة؛ فقد انتحر ثلاثة من إخوته الأربعة، وهو ما قارب فيتغنشتاين نفسه أن يفعله . درس الهندسة الميكانيكية في برلين ثم في مانشستر، وبدأ اهتمامه بالرياضيات والمنطق يتحول إلى شغف حقيقي، حتى قرأ كتابات برتراند راسل فقرر الذهاب إلى كامبريدج ليدرس على يديه . ولم يكن قراراً عابراً؛ فقد تخلى عن ثروته الطائلة لاحقاً، وتنازل عن كل إرثه لأسرة شقيقه، ليعيش حياة زهد فكري شبه كاملة .


في كامبريدج، سرعان ما أدرك راسل أن تلميذه الجديد ليس طالباً عادياً. وفي عام 1921، وبينما كان فيتغنشتاين قد خدم في الجيش النمساوي خلال الحرب العالمية الأولى، نُشر كتابه الأول "الرسالة المنطقية الفلسفية" (Tractatus Logico-Philosophicus) . كان الكتاب صغير الحجم، لا يتجاوز خمسة وسبعين صفحة، لكنه كان مكثفاً إلى حد مذهل، مكتوباً في عبارات مرقمة قصيرة وحاسمة، وادّعى فيه مؤلفه أنه حلّ كل مشكلات الفلسفة نهائياً .


وتقوم فلسفة فيتغنشتاين الأولى على نظرية "الصورة" في اللغة. رأى أن العالم يتكون من "وقائع" لا من أشياء، وأن كل واقعة هي تركيب من أشياء بسيطة ترتبط ببعضها وفق صورة منطقية معينة . واللغة، في هذا التصور، تعمل بوصفها صورة للعالم؛ فالقضية ذات المعنى هي التي ترسم صورة لواقعة ممكنة، وتتطابق بنيتها المنطقية مع بنية تلك الواقعة . 

وبهذا، فإن حدود اللغة ذات المعنى هي حدود العالم نفسه. وما لا يمكن أن يُقال بوضوح، أي ما يقع خارج نطاق الوقائع القابلة للتصوير، مثل الأخلاق والدين والميتافيزيقا، لا يمكن أن يُنطق به، إنما يُصمت عنه. ومن هنا جاءت عبارته الأخيرة الشهيرة في الكتاب: "ما لا يمكن للمرء أن يتكلم عنه، عليه أن يصمت" . وقد رأى فيتغنشتاين أن الفلسفة نفسها ليست علماً ينتج معرفة جديدة، بل نشاط توضيحي، مهمته أن يُظهر أين اختلطت اللغة وأين انزلقت عن حدود المعنى .


بعد نشر "الرسالة"، اعتقد فيتغنشتاين أنه أنهى مهمته في الفلسفة، فترك الأكاديمية وعمل مدرساً في قرى نمساوية نائية، ثم بستانياً في دير، ثم مهندساً معمارياً . لكن عودته إلى الفلسفة في عام 1929 كانت بداية تحول جذري. ففي محاضراته وأعماله اللاحقة، التي جُمعت بعد وفاته في كتاب "تحقيقات فلسفية" (Philosophical Investigations) عام 1953، رفض فيتغنشتاين معظم الافتراضات التي قامت عليها "الرسالة" .


فبدلاً من البحث عن "الصورة المنطقية" الكامنة وراء اللغة، اتجه فيتغنشتاين الثاني إلى اللغة العادية كما تُستخدم فعلاً في الحياة اليومية. وبدلاً من القول بأن معنى القضية يكمن في تطابقها مع الواقع، قال إن معنى الكلمة هو استخدامها في "لعبة لغوية" (language-game) . واللعب اللغوية ليست ألعاباً عبثية، إنها أنماط من النشاط الإنساني المنظم، مرتبطة بـ"أشكال الحياة" (forms of life) التي نعيشها . فمعنى كلمة "ألم" مثلاً لا يأتي من إشارتها إلى شيء داخلي، إنما من الدور الذي تلعبه في لعبة لغوية معينة، ضمن سياق اجتماعي وسلوكي محدد. 

وبهذا، لم تعد الفلسفة نشاطاً تحليلياً يبحث عن جوهر خفي وراء اللغة، بل صارت علاجاً لما سماه فيتغنشتاين "الاضطرابات" أو "الأوهام" التي تنشأ حين تُستخدم الكلمات خارج سياقاتها المألوفة، فتوقعنا في مشكلات فلسفية زائفة.


توفي فيتغنشتاين في التاسع والعشرين من أبريل عام 1951 في كامبريدج، بعد أن رفض العلاج الطبي في أيامه الأخيرة، وقال لطبيبه إنه عاش حياة رائعة . ولم يكن قد نشر في حياته سوى كتابه الأول الصغير، أما "التحقيقات الفلسفية" وكل ما بُني عليها من أفكار، فقد جاءت بعد موته، لتؤكد أن الرجل الذي ظن يوماً أنه أنهى الفلسفة، هو نفسه من أعاد فتح أسئلتها من جديد. 

وإذا كان كانط قد سأل عن حدود العقل، وهايدغر عن معنى الوجود، فإن فيتغنشتاين سأل سؤالاً بدا بسيطاً لكنه هزّ الفلسفة كلها: ماذا نعني عندما نتكلم؟ وهل كثير من مشكلاتنا ليست إلا سوء فهم لغوي؟ وربما في هذا السؤال، الذي لا يزال يفتح أبواباً جديدة، يبقى حضوره قائماً.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي