جسّد جان بول سارتر فكره في حياته اليومية، فهو لم يكتف بالكتابة عن الحرية والالتزام، إنما عاشهما في الشارع والمقهى والمسرح، حتى صار أيقونة للفيلسوف المنخرط في قضايا عصره.
وُلد سارتر في الحادي والعشرين من يونيو عام 1905 في باريس، وكان أبوه ضابطاً في البحرية توفي وهو في عامه الأول تقريباً، فنشأ في كنف جده لأمه، ألبرت شفايتزر، وهو أستاذ ألماني كان يعمل في تدريس اللغة الألمانية، وقد تربى سارتر في بيت مثقف يغلب عليه طابع البرجوازية الرفيعة . كان قارئاً نهماً منذ طفولته، ودرس في المدرسة العليا نورمال، حيث تخصص في الفلسفة وتخرج فيها عام 1929، وفي السنة نفسها تعرّف على سيمون دي بوفوار التي رافقته في حياته الفكرية والعاطفية حتى وفاته، رغم رفضه الزواج .
عمل سارتر مدرساً للفلسفة في عدة مدارس ثانوية في فرنسا، ثم في معهد فرنسي في برلين بين عامي 1933 و1934، حيث درس الفينومينولوجيا عند هوسرل وتأثر بها تأثراً عميقاً . ثم عاد إلى باريس ليدرّس الفلسفة، وفي عام 1938 نشر روايته الأولى "الغثيان"، التي عبّرت عن فكرة الوجود العبثي والاشمئزاز الذي يشعر به الإنسان أمام وجود الأشياء العارية عن أي معنى . وفي عام 1943، نشر كتابه الفلسفي الأهم "الوجود والعدم"، الذي وضع فيه أسس الوجودية بوصفها مذهباً فلسفياً منسجماً، وكتبه في ظروف الاحتلال الألماني لباريس، وهي خلفية لا تخلو من دلالة، فقد صار موضوع الحرية والمسؤولية أكثر إلحاحاً .
وتقوم الوجودية السارترية على مبدأ راديكالي: أن الوجود يسبق الماهية. أي أن الإنسان يوجد أولاً، ثم يصنع ماهيته بأفعاله واختياراته، خلافاً للأشياء التي تُصنع وفق ماهية سابقة عليها . ومن هنا جاءت عبارته الأكثر شهرة: "الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً".
الحرية عنده ليست ترفاً اختيارياً، إنها شرط الوجود الإنساني نفسه، ولا يستطيع الإنسان أن يتخلص منها حتى إذا حاول الهروب منها، وهذا ما سماه "الرغبة السيئة" أو "التعاسة الخبيثة" حيث يخدع الإنسان نفسه ويقول إنه مضطر أو عاجز، ليهرب من ثقل الاختيار . والقلق، في هذا التصور، ليس حالة مرضية، إنه الوعي بأن كل فعل يختاره الفرد هو في الوقت نفسه تشريع لصورة الإنسان كما ينبغي أن يكون، فحين أختار، أنا أختار للبشرية جمعاء، أو كما قال سارتر: "إنني حين أختار نفسي، أختار الإنسان".
ومن هذه الحرية تأتي المسؤولية. فإذا لم تكن هناك قيم مطلقة سابقة تبرر الأفعال، فإن الإنسان هو من يخلق قيمه بنفسه، ولا يستطيع أن يعتذر عن أفعاله بعذر إلهي أو طبيعي أو اجتماعي. وقد أثارت هذه النزعة الجدل، إذ اتُهمت الوجودية بأنها تفتح باباً للعبث والانحلال الأخلاقي، فدافع سارتر عنها في محاضرة شهيرة عام 1945 بعنوان "الوجودية نزعة إنسانية"، قال فيها إن الوجودية ليست دعوة إلى اليأس، إنما إلى الالتزام، وإن الإنسان مسؤول عن اختياراته ومصير الآخرين معه .
وقد كان الالتزام السياسي والاجتماعي سمة أساسية في حياة سارتر، فأسس مع بوفوار وآخرين مجلة "الأزمنة الحديثة" عام 1945، وكتب في القضايا السياسية والاستعمار والحرية، وأيد الثورة الجزائرية، ثم اتخذ مواقف مؤيدة للثورات الطلابية في 1968 . وفي عام 1964، رفض جائزة نوبل في الأدب، وقال إنه لا يريد أن يتحول إلى مؤسسة، وإن رفضه نابع من التزامه بألا يتخذ موقفاً رسمياً من قضايا سياسية وثقافية تفرضها عليه الجائزة . وقد كان لسارتر أيضاً إسهام كبير في الأدب والنقد والمسرح؛ فكتب روايات وقصصاً ومسرحيات مثل "الذباب" و"الأيدي القذرة" و"الوجود والعدم"، وسيرة ذاتية بعنوان "الكلمات" .
توفي سارتر في الخامس عشر من أبريل عام 1980 في باريس، عن أربعة وسبعين عاماً، وقد شيّعه نحو خمسين ألف شخص في جنازة وُصفت بأنها جنازة فيلسوف لم يشهد لها باريس مثيلاً من قبل .
وإذا كان هايدغر قد سأل عن معنى الوجود، فإن سارتر أعاد السؤال إلى الإنسان نفسه: ما الذي يفعله الإنسان بوجوده؟ وأجاب بأن الحرية ليست هبة تُمنح، إنها عبء لا بد من حمله، وأن الوجود بلا معنى جاهز، وإنما المعنى شيء يُخلق بالفعل والاختيار. وربما في هذه المسؤولية التي لا مهرب منها، يبقى سارتر حاضراً في كل زمان يجد فيه الإنسان نفسه أمام سؤال: ماذا أختار أن أكون؟

تعليقات: (0) إضافة تعليق