جمع بول ريكور بين العمق التأويلي والانفتاح على علوم الإنسان، فمشروعه الفكري الذي امتد أكثر من نصف قرن لم يكتفِ بتفسير النصوص، إنما سعى إلى فهم الإنسان نفسه بوصفه كائناً يفسّر وجوده عبر الرموز والحكايات. وُلد ريكور في السابع والعشرين من فبراير عام 1913 في مدينة فالانس جنوب شرق فرنسا، وفقد والديه مبكراً؛ فقد توفي أبوه في الحرب العالمية الأولى وهو طفل، فنشأ يتيماً في كنف جدّيه . درس الفلسفة في جامعة رين ثم في السوربون، وتأثر في تكوينه المبكر بغابريل مارسيل وكارل ياسبرس، ونال درجة التجميع في الفلسفة عام 1935 .
عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، جُنّد ريكور في الجيش الفرنسي، ووقع أسيراً في يد الألمان عام 1940، وقضى خمس سنوات في معتقلاتهم . لكن سنوات الأسر لم تكن عطلاً فكرياً؛ فقد استغلها في ترجمة كتاب هوسرل «الأفكار» إلى الفرنسية، وفي تنظيم محاضرات ودروس مع زملائه الأسرى، حتى قيل إن المعتقل تحول إلى جامعة مصغرة . بعد الحرب، درّس في جامعة ستراسبورغ ثم في السوربون، وتولى لاحقاً التدريس في جامعة نانتير، ثم انتقل إلى جامعة شيكاغو حيث درّس بين عامي 1970 و1985، وهي الفترة التي شهدت نشر أهم أعماله . توفي في العشرين من مايو عام 2005 في شاتيناي مالابري قرب باريس، عن اثنين وتسعين عاماً .
أما جوهر فلسفة ريكور، فيقوم على «المنعطف التأويلي» الذي اتخذه بعد بداياته الفينومينولوجية. فقد بدأ بفلسفة الإرادة في أعمال مثل «الإرادي واللاإرادي» و«التناهي والذنب»، حيث حاول تحليل البنية المزدوجة للوجود الإنساني: جانب فعّال حر، وجانب منفعل محدود . لكنه سرعان ما أدرك أن الوعي الذاتي ليس شفافاً أمام نفسه، وأن فهم الذات لا يأتي عبر تأمل مباشر كما أراد ديكارت وهوسرل، إنما عبر الآثار التي تتركها في اللغة والرموز والثقافة . ومن هنا اتجه إلى التأويل بوصفه الطريق الوحيد لفهم الوجود الإنساني، مؤكداً أن «الذات» لا تُعرف إلا من خلال العلامات التي تودعها الذاكرة والخيال في التقاليد الأدبية الكبرى .
وقد تجلى هذا التحول أولاً في كتابه «رمزية الشر» الذي درس فيه الأساطير والرموز التي حاول بها البشر فهم لغز الشر، ثم في «التفسير: محاولة في فرويد» و«صراع التأويلات»، حيث واجه ريكور التحليل النفسي والفرويدية بوصفها نماذج للتأويل تزعم فضح الوعي وخداعه . وقد رفض ريكور أن يختزل التأويل في «تأويل الشك» عند فرويد وماركس ونيتشه، إنما سعى إلى تأويل يستعيد fullness المعنى، قائلاً إنه «لا بد للأصنام أن تموت لكي يحيا الرمز» . وفي «الاستعارة الحية» انتقل إلى تحليل اللغة الشعرية بوصفها ليس مجرد زينة، بل شكلاً من أشكال المعرفة التي تعيد تشكيل الواقع عبر الاستعارة .
ثم جاءت ذروة مشروعه في «الزمن والسرد» (ثلاثة مجلدات بين 1983 و1985)، حيث طرح أطروحته المركزية: أن الزمن الإنساني لا يصبح زمناً بمعنى الكلمة إلا حين يُحكى ويُروى. فالسرد ليس مجرد ترتيب أحداث، إنه الطريقة التي يمنح بها الإنسان معنى لوجوده الزمني، ويربط بين التشتت والوحدة، وبين ما مضى وما هو آتٍ . وفي «الذات عينها كآخر» (1990) طوّر ريكور مفهوم «الهوية السردية»، أي أن الشخص لا يملك هوية ثابتة جاهزة، إنما يبنيها عبر الحكايات التي يرويها عن نفسه وعن حياته، بحيث تكون الهوية سرداً مفتوحاً قابلاً للتعديل لا جوهراً مغلقاً . وبهذا، أعاد ريكور الاعتبار للذات بعد أن شكّك فيها كل من فرويد ونيتشه وفوكو، لكنه لم يعد إلى ذات ديكارت المتعالية، بل إلى ذات هشة، تُبنى بالحكي والاعتراف بالآخر.
وإذا كان فوكو قد فكّك العلاقة بين المعرفة والسلطة، ودريدا قد فكّك النص ليكشف تناقضه، فإن ريكور اختار طريقاً أكثر صبراً: أن نقرأ النص لنفهمه، لا لنفككه فقط، وأن نؤوّل الرمز لنستعيد المعنى، لا لنفضحه فقط. وربما في هذا الإصرار على أن الفهم ممكن، وأن السرد طريق إلى الحقيقة، يبقى حضوره قائماً في زمن يزداد فيه الشك في كل يقين.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق