آخر الأخبار

بيونغ-تشول هان: شخّص "مجتمع الإرهاق" وجعل من التوقف عن العمل مقاومة

+حجم الخط-



جمع بين بساطة العبارة وعمق التشخيص، فكتبه القصيرة التي لا تتجاوز المئة صفحة غالباً، استطاعت أن تصل إلى جمهور واسع لم يكن يقرأ الفلسفة من قبل، وأن تصف بدقة ما يعيشه الإنسان المعاصر دون أن يعرف له اسماً. وُلد هان في سيول عام 1959، ودرس هندسة المعادن في جامعة كوريا، قبل أن يغادر إلى ألمانيا في الثانية والعشرين من عمره لدراسة الفلسفة والأدب الألماني واللاهوت الكاثوليكي في فرايبورغ وميونخ . وهناك نال الدكتوراه عام 1994 عن أطروحة في فلسفة مارتن هايدغر، ثم حصل على تأهيل الأستاذية من جامعة بازل عام 2000 عن دراسة في جاك دريدا . درّس في عدة جامعات ألمانية وسويسرية، وعمل أستاذاً للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة برلين للفنون بين عامي 2012 و2017 .


جاءت شهرته العالمية مع كتابه «مجتمع الإرهاق» (Müdigkeitsgesellschaft) الصادر عام 2010، والذي تُرجم إلى أكثر من عشر لغات، ووصفه كثيرون بأنه الكتاب الذي وضع إصبعه على الجرح الذي يعيشه جيل كامل . وأطروحة هان المركزية في هذا الكتاب أن ما نسميه اليوم بالاكتئاب والإرهاق المزمن واضطراب نقص الانتباه ليس مجرد أمراض نفسية فردية، إنما أعراض لتحول بنيوي في المجتمع: الانتقال من مجتمع الانضباط الذي كان يقول للإنسان «لا يجب» إلى مجتمع الإنجاز الذي يقول له «يجب أن تستطيع» . ففي المجتمع النيوليبرالي، صار الإنسان سيد نفسه وسجّانها في الوقت ذاته، يستغل ذاته طوعاً باسم الحرية والتحقيق الذاتي، حتى ينتهي إلى حالة من الإنهاك لا يستطيع معها أن يقول «لا»، ولا أن يتوقف. ومن هنا مفارقة هان الأعمق: أن الحرية التي يُقال لنا إننا نملكها هي بالضبط ما يجعلنا نستنزف أنفسنا دون حاجة إلى سلطة خارجية تراقبنا أو تعاقبنا .


ثم وسّع هان هذا التحليل في «مجتمع الشفافية» (2012)، حيث هاجم الشفافية بوصفها شعاراً نيوليبرالياً لا علاقة له بالديمقراطية أو مكافحة الفساد. رأى أن الإلزام بالكشف عن الذات والإفصاح عن كل شيء، من بياناتنا إلى صورنا إلى حياتنا اليومية، يحوّل الإنسان إلى معروض، ويقضي على المسافة والسرّ والخجل، وهي كلها شروط ضرورية للعلاقات الإنسانية الحقيقية . وفي «علم النفس السياسي» (Psychopolitics) انتقل إلى تحليل كيف استُبدلت السلطة الانضباطية التي كانت تعمل على الجسد عبر السجون والمدارس والمصحات، بسلطة نفسية تعمل على العقل والرغبة مباشرة، عبر وسائل التواصل والإعلان والتحفيز الدائم . وقد ذهب في «Infocracia» إلى أن الفيضان المعلوماتي لا يعزز الديمقراطية كما يُشاع، بل يُفكك المجال العام ويخلق أشكالاً جديدة من الخضوع.


وما يميز هان أسلوبياً هو رفضه للكتابة الأكاديمية الثقيلة، واختياره الشذرة القصيرة والفقرة المكثفة والاستشهاد الحر، حتى اتهمه بعض النقاد بالسطحية والتبسيط، بينما رآه آخرون واحداً من أبرز المفسرين للتحولات التقنية والثقافية في عصرنا . وقد حصل عام 2025 على جائزة أميرة أستورياس للتواصل والعلوم الإنسانية، تقديراً لقدرته على «تفسير تحديات المجتمع التقني» بعبارة واضحة تجمع بين التقاليد الفلسفية الشرقية والغربية . ومن المفارقات اللافتة أنه يعيش ما يكتبه: لا يملك هاتفاً ذكياً، ولا يستخدم وسائل التواصل، ويقول إنه يفضل الموسيقى التناظرية والعناية بحديقته، معتبراً ذلك شكلاً من أشكال المقاومة العملية لرأسمالية الانتباه.


وإذا كان فرويد قد فتح أبواب اللاوعي، وكان فوكو قد فكّك العلاقة بين المعرفة والسلطة، فإن هان أضاف إليهما سؤالاً لا يقل إلحاحاً: ماذا يحدث حين تصبح السلطة لا شيئاً يُفرض علينا من الخارج، بل شيئاً نطلبه من أنفسنا باسم الحرية؟ وربما في دعوته إلى استعادة القدرة على التوقف، والتأمل، والملل، والصمت، يبقى حضوره قائماً في زمن يزداد فيه الإرهاق، ويقلّ فيه ما يستحق التأمل.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي