قليلون هم من غيّروا طريقة فهمنا لأنفسنا إلى هذا الحد، دون أن يكونوا فلاسفة بالمعنى التقليدي. وُلد سيغموند فرويد في السادس من مايو عام 1856 في بلدة فريبيرغ في مورافيا، التي كانت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية النمساوية، وهي اليوم في التشيك . كان أبوه تاجراً يهودياً، وانتقلت الأسرة إلى فيينا عندما كان في الرابعة، حيث قضى هناك معظم حياته .
التحق بكلية الطب في جامعة فيينا عام 1873، وقضى سنوات طويلة في مختبر الفسيولوجيا تحت إشراف إرنست بروك، متأثراً بنظرة صارمة تريد تفسير الفكر والفعل البشري عبر قوى كيميائية وفيزيائية . لكن الحاجة إلى كسب العيش دفعته إلى الطب السريري، وفي عام 1885 سافر إلى باريس ليتتلمذ على جان-مارتن شاركو، الطبيب الذي كان يعالج الهستيريا بالتنويم المغناطيسي، وهناك تحوّل اهتمامه من الأعصاب إلى النفس .
في تسعينيات القرن التاسع عشر، وبالتعاون مع جوزيف بروير، بدأ فرويد يبني أفكاره الأولى عن التحليل النفسي، فنشر معه «دراسات في الهستيريا» عام 1895 . ثم جاءت لحظة التأسيس الكبرى عام 1900 مع «تفسير الأحلام»، وهو الكتاب الذي رأى فيه فرويد أن الحلم ليس فوضى عابرة، إنما تحقيق مموّه لرغبة مكبوتة، وأن الطريق إلى اللاشعور يمر عبر الأحلام والهفوات والأعراض العصابية . وفي السنوات التالية صدرت أعمال أساسية مثل «علم النفس المرضي للحياة اليومية» و«ثلاث مقالات في النظرية الجنسية»، حيث طرح أفكاره عن الجنسية الطفولية وعقدة أوديب، وهي الأفكار التي أثارت أكبر قدر من الجدل والرفض في زمانه .
جوهر ثورة فرويد هو التأكيد على أن العقل ليس شفافاً أمام صاحبه. فالإنسان ليس سيد بيته النفسي، كما ظن ديكارت وكانط، إنما تحكمه قوى لا يشعر بها، ورغبات لا يعترف بها، وصراعات دفعت إلى اللاشعور عبر آليات الكبت. وقد صاغ فرويد هذا التصور في نموذجه الطبوغرافي الأول: الشعور، وما قبل الشعور، واللاشعور المكبوت الذي لا يُتاح إلا بصورة غير مباشرة عبر الأعراض والأحلام والزلات .
ثم عدّل نموذجه في كتاب «الأنا والهو» عام 1923، فقدم البنية الثلاثية التي صارت أشهر من سواها: الهو، وهو مستودع الدوافع البيولوجية والرغبات البدائية؛ والأنا الأعلى، وهو السلطة الأخلاقية الداخلية التي تمثل المحظورات الاجتماعية؛ والأنا، وهو الوسيط الذي يحاول التوفيق بينهما وفق مبدأ الواقع . وبهذه البنية، لم يعد الصراع النفسي عَرَضاً مرضياً، إنما صار شرطاً إنسانياً عاماً.
وقد كان فرويد نفسه يرى أن التحليل النفسي علم، لا فلسفة، حتى إنه لم يكن يخفي ازدراءه للفلسفة بوصفها تأملاً تجريدياً يبالغ في تقدير الوعي ويتجاهل اللاشعور . ومع ذلك، فإن الفكرة التي بُني عليها مشروعه كله، أعني أن الوعي ليس أساس المعرفة النفسية، هي فكرة فلسفية بامتياز، لأنها تقلب تصور الذات الذي قام عليه الفكر الحديث من ديكارت إلى كانط.
وقد لاحظ دارسون أنه رغم رفضه العلني للفلسفة، ظلت مرجعياته الفكرية تتجول بين أفلاطون وكانط وشوبنهاور ونيتشه، وأن التحليل النفسي في أعمق طبقاته ليس إلا «ميتافيزيقا» مضمرة، أو فلسفة إنسان جديدة تلبس ثوب العلم . وربما لهذا السبب بالذات، يصعب تصنيف فرويد: هو ليس فيلسوفاً في أي قسم من أقسام الجامعة، لكنه فيلسوف في كل سؤال طرحه عن الذات والجنس والحضارة والدين.
وفي سنواته الأخيرة، توسّع فرويد من العيادة إلى الثقافة. فكتب عن الدين في «موسى والتوحيد»، وعن الحضارة في «قلق في الحضارة»، ورأى أن الحضارة نفسها تقوم على كبت الدوافع، وأن ثمن الأمن والجماعة هو قدر من البؤس النفسي. وفي عام 1938، بعد أن ضمّت ألمانيا النازية النمسا، غادر فيينا إلى لندن مع أسرته، بعد وساطات دبلوماسية، حيث استقبلته الجمعية البريطانية للتحليل النفسي بحفاوة . توفي في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1939، بعد معاناة طويلة مع سرطان الفك، وهو يعمل حتى أيامه الأخيرة .
وإذا كان نيتشه قد أعلن موت الإله، وكانط قد حدّد حدود العقل، فإن فرويد نزل إلى الطابق السفلي من العقل نفسه، وقال إن ما نعرفه عن أنفسنا ليس إلا قشرة رقيقة فوق محيط مظلم.
وقد ظل أثره حاضراً، لا في العيادة النفسية فحسب، إنما في الأدب والفن والنقد الثقافي وفلسفة الذات، حتى بعد أن تجاوزت مدارس علاجية كثيرة تفاصيل نظريته. ربما يبقى سؤاله الأصعب هو ما يمنحه حضوره الدائم: إذا لم نكن سادة أنفسنا، فمن نحن إذن؟
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق