آخر الأخبار

تشارلز بيرس

+حجم الخط-


وُلد تشارلز ساندرز بيرس في كامبريدج بولاية ماساتشوستس في العاشر من سبتمبر عام ألف وثمانمئة وتسعة وثلاثين، في واحدة من أرقى العائلات العلمية في أمريكا. كان والده بنيامين بيرس أستاذ الرياضيات والفلك في جامعة هارفارد، وأحد أعظم علماء الرياضيات الأميركيين في القرن التاسع عشر، وكان يشغل ابنه في نقاشات رياضية عالية وهو في الثانية عشرة من عمره، ويراجعه في مشكلات المنطق والاحتمالات، حتى إن بيرس قال لاحقًا إنه لا يعرف أي مشكلة فكرية إلا وقد بدأها مع أبيه. 

هذا النشوء في بيت يقف على حدود الرياضيات والفلك واللغة كان نقطة الأصل في كل ما سيأتي بعده: دقة عقلية لا تقبل التبسيط، وشجاعة على خوض المناطق التي لا يتجرأ عليها الأكاديميون، وحب للعلم لا يفرق بين الرياضيات والفلسفة والكيمياء والفيزياء واللاهوت. درس في هارفارد، ونال البكالوريوس عام ألف وثمانمئة وتسعة وخمسين، ثم الماجستير في الكيمياء من كلية لورنس العلمية عام ألف وثمانمئة وثلاثة وستين، وعمل بعد ذلك نحو ثلاثين سنة في هيئة المسح الساحلي والجيوديسي في الولايات المتحدة، وهي وظيفة علمية دقيقة تتعلق بالقياسات الفلكية والجيوديسية والفيزيائية، وكانت المصدر الرئيسي لمعيشته، وكانت في الوقت نفسه مختبرًا واسعًا لتجاربه في المنطق والفلسفة والقياس النفسي والفيزياء.


لكن حياة بيرس الأكاديمية كانت قاسية على نحو غير معتاد. فقد درّس المنطق في جامعة جونز هوبكنز من عام ألف وثمانمئة وتسعة وسبعين إلى عام ألف وثمانمئة وأربعة وثمانين، وكان أول من يُدرّس المنطق الحديث في أمريكا، وهناك أشرف على طلاب سيصبحون أسماء كبيرة مثل جون ديوي وجوزايا رويس، لكنه فقد منصبه عام ألف وثمانمئة وأربعة وثمانين، ويُقال إن أسباب ذلك كانت متعلقة بسلوكه الشخصي وطلاقه من زوجته الأولى هارييت ميليسينا فاي، وبتصرفاته الصعبة مع الزملاء، وبخروجه عن الآداب الأكاديمية السائدة. ولم يحصل بعد ذلك على منصب جامعي ثابت، وظل يعتمد على مراجعات يكتبها في مجلة «ذا نيشن» وعلى دعم صديقه وليام جيمس الذي جمع له تبرعات ليتمكن من العيش. وانتقل في سنواته الأخيرة إلى مزرعة متواضعة في ميليفورد بولاية بنسلفانيا سماها «آريسبي»، وعاش فيها في فقر شديد وحالة صحية سيئة، ومع ذلك لم يتوقف عن الكتابة. توفي في التاسع عشر من أبريل عام ألف وتسعمئة وأربعة عشر، وهو يشبه في حاله سبينوزا في القرن السابع عشر: فيلسوف كتب أعظم ما كتبه ولم يُقرأ في حياته، ثم أصبح بعد موته واحدًا من أكثر المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين.


كان سؤاله المركزي هو: كيف نعرف؟ وكيف نُصحح ما نعرفه؟ وكيف تدلّ العلامات على الأشياء؟ وكيف يمكن أن نبني فلسفة تكون على مستوى العلم الحديث في دقته وفي الوقت نفسه على مستوى التجربة الإنسانية في ثرائها؟ كان يرى أن الفلسفة يجب أن تتعلّم من الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وأن المنطق ليس فرعًا من الفلسفة، إنما هو أساس الفلسفة كلها، وأن أهم ما يمكن أن تفعله الفلسفة هو أن تُوضّح كيف تنشأ الأفكار، وكيف تثبت، وكيف تُصحّح، لا أن تبنى أنظمة مغلقة لا صلة لها بالبحث الجاري. ومن هنا بدأ مشروعه بمقالات سلسلة «شروح في منطق العلم» التي نشرها في «مجلة العلوم الشعبية» بين عامي ألف وثمانمئة وسبعة وسبعين وثمانمئة وثمانية وسبعين، وأشهرها «تثبيت الاعتقاد» و«كيف نُوضّح أفكارنا».


في «تثبيت الاعتقاد»، طرح بيرس سؤالًا بسيطًا وعميقًا: كيف نُثبّت اعتقاداتنا؟ وكيف نتخلص من الشك؟ وميّز بين أربع طرق تُستخدم في تثبيت الاعتقاد: طريقة المثابرة، حين يُغلق الإنسان عقله على رأي واحد ويرفض كل ما يخالفه؛ وطريقة السلطة، حين تفرض مؤسسة دينية أو سياسية على الناس ما يجب أن يعتقدوه؛ وطريقة الموافقة المسبقة، حين يقبل العقل ما يبدو موافقًا لتصوراته الفطرية دون سند من التجربة؛ وطريقة العلم، وهي الوحيدة التي لا تعتمد على أهواء الأفراد ولا على سلطة الجماعات، إنما على تجربة يمكن أن يُختبرها الجميع، وعلى عرض الأفكار على المعارضة والنقد. ورأى أن الحقيقة ليست ما يوافق أهواءنا، إنما ما تُقرّ به جماعة الباحثين في المدى الطويل. ومن هنا ولدت «البراغماتية»، وهو المصطلح الذي صاغه بيرس نفسه في مقالة «كيف نُوضّح أفكارنا» عام ألف وثمانمئة وسبعة وسبعين، وأعلن فيه مبدأه الشهير: «انظر إلى الآثار العملية التي يمكن أن يتضمنها موضوع تصورك. تلك الآثار هي مجموع تصورك عن الموضوع». ومعنى ذلك أن معنى أي فكرة لا يكون إلا في ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج يمكن اختبارها، وأن أي خلاف لا يترتب عليه فرق في التجربة هو خلاف لفظي لا حقيقي. لكنه لما رأى أن وليام جيمس وسواه استعملوا البراغماتية بمعنى يقرّبها من النفعية والصدق العملي، انفصل عنهم، وأعاد تسمية مذهبه «البراغماتية الاسمية» أو «البراغماتية الحقيقية»، وعبّر عن مرارته من الاختلاف بقوله إن كلمته صارت تستعمل في معنى لا يريده، وأنه فضّل أن يُغيّر اسم مذهبه ليتخلص من هذه الشركة.


في المنطق، كان بيرس من أول من طوّر «منطق العلاقات» بشكل مستقل عن فريجه، وبنى نظرية في «السور» والكم، ووضع أول صياغة منطقية رمزية في الولايات المتحدة، وطوّر «حساب الجمل» و«منطق العلاقات الثلاثية». وكان من أوائل من أدرك أن الجبر البولياني يمكن أن يُصاغ بشكل يتعلق بالدوائر الكهربائية، وهو إدراك سيصبح لاحقًا أساسًا لتصميم الحواسيب الرقمية. وقد عدّه برتراند راسل أحد أهم المناطقة في القرن التاسع عشر، وقال إن إسهاماته في المنطق قُدّرت بأقل من قيمتها بكثير.


لكن أعظم ما أضافه بيرس إلى الفكر الإنساني هو علم العلامات أو «السيميائيات». فقد بنى تصورًا ثلاثيًا للعلامة، بخلاف التصور الثنائي الذي سيصبح شائعًا عند دي سوسير. العلامة عند بيرس ليست شيئًا يقوم مقام شيء آخر فقط، إنما هي علاقة ثلاثية لا تكتمل إلا بوجود «العلامة» و«الموضوع» الذي تدل عليه، و«المؤول» أي التفسير الذي تنشئه العلامة في ذهن من يقرأها. وهذه العلاقة الثلاثية لا تتوقف، لأن كل مؤوّل هو نفسه علامة تحتاج إلى مؤوّل جديد، في نشوء لا نهائي من التأويل الذي يسميه بيرس «المراوغة اللانهائية» للمعنى، وهو ما سيصبح لاحقًا أساسًا لعلم الدلالة وعلم التأويل في القرن العشرين. وميّز بيرس بين ثلاثة أنواع من العلامات: الأيقونة، وهي العلامة التي تشبه موضوعها، كالصورة والخريطة؛ والمؤشر، وهي العلامة التي تربطها بموضوعها علاقة سببية أو فورية، كالدخان بالنسبة إلى النار وأثر القدم؛ والرمز، وهو العلامة التي يرتبط معناها بالعرف والاتفاق، كالكلمات والأرقام والعلامات الرياضية. وقد بنى على هذا التقسيم بنية كاملة للمعرفة والتواصل، تُعدّ اليوم من أعظم ما أنتجه الفكر في نظرية العلامة.


وقد أضاف بيرس إلى المنطق التقليدي نوعًا ثالثًا من الاستدلال لم يكن معترفًا به عند أرسطو ولا عند المناطقة المحدثين: «الاستنباط»، أو الاستدلال الإبداعي الذي ينتقل من ظاهرة مدهشة إلى فرضية تفسّرها. فالاستنباط لا يستنتج من قواعد معروفة ولا يقتصر على جمع الجزئيات، بل هو قفزة خيالية يُنتج بها العقل فرضية جديدة، وهي ليست يقينًا ولا حتى احتمالًا، بل «فرضية قابلة للاختبار». ومن هنا بنى بيرس تصورًا للعلم ليس كبناء استنباطي صارم، إنما كعملية حيّة من الشك والفرضية والاختبار والتثبيت، ثم الشك من جديد. وقد وصف العلم بأنه «شعلة حية» لا نظام مغلق، وأنه لا يمكن أن يكون علمًا إلا إذا كان قابلاً للخطأ. ومن هنا جاء مفهوم «القابلية للخطأ» الذي صار أحد أهم مفاهيم فلسفة العلم في القرن العشرين.


وفي الميتافيزيقا، بنى بيرس ثلاثة مفاهيم كبرى تُختصر عادةً بأسماء ثلاثية: «الأولية» و«الثانية» و«الثالثة». الأولية هي الإمكانية الخالصة، والصفة، والكيف، والإحساس المباشر. والثانية هي الفعل والوقوع والصراع والوقوف أمام مقاومة، هي كل ما يفرض نفسه علينا في تجربتنا اليومية. والثالثة هي القاعدة والعادة والقانون والعلاقة والتعميم، أي كل ما يربط الأشياء في نظام قابل للتوقع. ويقوم الوجود عنده على تداخل هذه المقولات الثلاث، لا على واحدة منها. ومن هنا جاءت مفاهيمه الأخرى: «التخليد» أو الاتصال، وهو أن الواقع متصل لا مقطوع، وأن كل حدّ إنما هو مجرد لحظة في نسيج متصل؛ و«العشوائية» أو الطيش، وهو أن الطبيعة ليست حتمية مطلقة إنما فيها عشوائية حقيقية، وهذا ما جعله يستبق بعض تصورات الفيزياء الحديثة؛ و«الحب التطوري»، وهو أن التطور لا يسير بالصراع وحده إنما بالميل إلى الاتحاد والتآلف. وقد رأى أن هذه المفاهيم الثلاثة، الطيش والاتصال والحب، تشكل فلسفة علمية ودينية في الوقت نفسه، وأنه يمكن أن تكون «التطورية» بديلًا عن المادية الآلية التي سادت في عصره.


لم يُنشر في حياة بيرس إلا القليل من أعماله، ومعظم كتاباته الضخمة بقيت مخطوطات في أكوام من الأوراق. وقد جمعها لاحقًا تشارلز هارتشورن وبول فايس في «الأوراق المجموعة» في ثمانية مجلدات صدرت بين عامي ألف وتسعمئة وواحد وثلاثين وثمانية وخمسين، ثم جاءت مجلدات أخرى عن الأوراق المخطوطة، حتى إن أرشيفه يُعدّ من أضخم الأرشيفات الفلسفية في العالم. وقد أثر بيرس في وليام جيمس الذي روّج البراغماتية، وفي جون ديوي الذي بنى عليها فلسفته التربوية والاجتماعية، وفي جوزايا رويس في المثالية الأميركية، وفي جوسايا ويلارد جيبنز في الرياضيات والمنطق، وفي رودولف كارناب وألفريد تارسكي في المنطق والمنطق الدلالي، وفي تشارلز موريس وروبرت سيبوك وأمبرتو إيكو في علم العلامات، وفي هابرماس وأبيل في النقاش حول العقلانية والتواصل، وفي هيلاري بوتنام ونيلسون غودمان وكواين في فلسفة العلم والمنطق. ويُعدّ اليوم واحدًا من المؤسسين الحقيقيين للفلسفة الأميركية، مع جيمس وديوي.


لكنه انتُقد بشدة في حياته وبعد موته. اتُّهم بالغموض وبأن كتاباته غير منهجية ومتفرقة، وأنه ينشر أفكاره في مقالات متفرقة لا في كتب مكتملة، وأنه يمزج بين العلم والميتافيزيقا والدين بشكل يربك القارئ. واتُّهم بأن براغماتيته فُهمت خطأً على أنها نظرية في الصدق، وأنه لم ينجح في الفصل بين «كيف نُوضّح المعنى» و«كيف نعرف الحقيقة»، فوقع في نزاع طويل مع جيمس ثم مع شلر. واتُّهم بالحتمية في المنطق وبالمثالية في الميتافيزيقا، بأنه جعل الواقع كله علامات وتأويلات. واتُّهم في السياسة بأنه كان محافظًا وأنه لم يكن له موقف واضح من قضايا عصره، وأنه ظل في برجه العلمي حتى وهو يعيش في فقر، وأن غروره جعله يعزل نفسه عن الأوساط الأكاديمية التي كانت تحتاجه. ومع ذلك، اعترف منتقدوه بأنه في كل مجال دخل إليه، فتح بابًا جديدًا: في المنطق، وفي السيميائيات، وفي نظرية المعرفة، وفي فلسفة العلم، وفي الميتافيزيقا. ويقول ريتشارد رورتي إن بيرس كان «فيلسوفًا لجميع الفلاسفة» لأنه ناقش كل شيء قبل أن يتناقش عليه الآخرون.


يبقى بيرس مهمًا اليوم لأن أسئلته باتت مركزية في زمننا أكثر من أي وقت مضى: كيف نُفسّر العلامة في عالم تُنتج فيه الصور والأرقام والرموز والخوارزميات المعنى؟ كيف نبني نظرية للتواصل لا تختزل الإنسان في معلومات؟ كيف نُفكّر في العلم بلا يقين مطلق وبلا نسبية كاملة؟ ما معنى الحقيقة في زمن تُضاعف فيه المعلومات والشك؟ كيف نفهم التطور بلا حتمية ميكانيكية؟ وكيف نفكر في العلاقة بين العقل والعادة والاعتقاد والسلوك؟ لم يقدم بيرس إجابات جاهزة، لكنه علّمنا أن المعنى في الفعل، وأن الاعتقاد في السلوك، وأن الفكر لا يعمل إلا بعلامات، وأن الفلسفة يجب أن تكون على مستوى دقة العلم، وأن أعظم ما يمكن أن تفعله الفلسفة ليس أن تعطي يقينًا، إنما أن تُوضّح. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا وثوريًا ومُلحًّا، حتى وهو رجل عاش منسيًا ومات فقيرًا.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي