آخر الأخبار

هل تتشكل الهوية بالانكفاء الذاتي أم بوعي الاعتراف والغيرية؟

+حجم الخط-



هل الهوية الإنسانية جوهراً مغلقاً يتشكل بذاته ومن داخله عبر الانكفاء الاستقلالي والتعالي عن العالم والآخرين، أم أنها نتاج جدلي لا يكتمل وجوده إلا عبر الانفتاح على "الغيرية" ونيل الاعتراف المتبادل. 
ينشأ هذا التوتر الفلسفي بين اتجاه فرداني واختزالي يرى في الآخر تهديداً أو عرضاً ثانوياً لصفاء الذات، واتجاه علائقي وتداولي يعتبر أن الوعي بالذات لا ينشأ أصلاً إلا في مرآة الآخر والاعتراف به.



يؤسس التقليد الفلسفي الديكارتي والحديث، لا سيما في صورته الفردانية المتطرفة، الموقف المدافع عن أسبقية الاكتفاء الذاتي والانكفاء الباطني. يرى ديكارت في مقولة "الكوغيتو" أن الذات تدرك يقينها الوجودي بمعزل عن العالم والآخرين؛ فالأنا المفكرة جوهر متقوام بذاته، ولا تحتاج إلى نظرة الآخر لكي تتأكد من وجودها المعرفي. يذهب بعض فلاسفة الوجود الأوائل—في قراءات ضيقة لبعض أطروحات سارتر—إلى اعتبار أن الآخر يمثل دائماً جحيماً أو تهديداً لخصوصية الحرية الفردية ونقاء الذات، مما يفرض نوعاً من التحصن والإنغلاق للدفاع عن الهوية ضد ذوبانها في الجماعة أو الآخر.



يقدم في المقابل التقليد الفينومينولوجي والهيغلي، لا سيما في جدلية السيد والعبد الشهيرة لدى غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل، ثورة معيارية تؤكد أن الوعي بالذات لا يتحقق إلا عبر الآخر. يرى هيغل أن الأنا لا تدرك حقيقتها كوعي مستقل بذاته إلا عندما يدخل في صراع ومخاطرة مع وعي آخر، نἰشئاً حاجة أنطولوجية ملحة لـ "الاعتراف" (Recognition). لا تصبح الذات واعية لذاتها كإنسان حر إلا عندما يعترف بها الآخر كذات حرة ومماثلة؛ ومن هنا يغدو الآخر ليس عائقاً خارجياً، إنما شرطاً تأسيسياً لوجود الذات ذاتها.



يغوص الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس في إرساء أطروحة رادیکالية تعلي من شأن الغيرية في كتابه "الكلية والمحفوظ" (Totality and Infinity)، معتبراً أن الأخلاق تسبق الأنطولوجيا. يرفض ليفيناس كل محاولات الفلسفة الغربية لاحتواء "الآخر" وضمه داخل أنساب الذات الكلية، مؤكداً أن وجه الآخر (The Face of the Other) يفرض عليّ التزاماً ميتافيزيقياً وأخلاقياً لامتناهياً يزعزع استقرار أنانيتي وانكفائي الذاتي. يرى ليفيناس أن هويتي الحقيقية تتحدد بالضبط في تلك اللحظة التي أستجيب فيها لنداء الآخر ومسؤوليته، لا في لحظة الانكفاء المتقوقع على الذات.



يتأمل المنظّرون المعاصرون في فلسفة التباين والاعتراف، أمثال أكسل هونيث وتشارلز تايلور، الأبعاد الاجتماعية والسياسية لهذه الجدلية، مبينين أن حرمان أي جماعة أو فرد من الاعتراف المؤسسي والثقافي يؤدي إلى تشوه الهوية وانكسار الوعي الذاتي. يبرز التوتر جلياً بين نزعة فردانية متصلبة ترى في الاكتفاء الذاتي عنواناً للحرية، ونزعة علائقية تؤكد أن الإنسان كائن بين-شخصي تتشكل هويته في نسيج العلاقات والتجاذبات مع الآخر.



تمثل إشكالية الذات والآخر القلب النابض لفلسفة الوجود البشري. يظل السؤال المفتوح حول حدود التفاعل والاعتراف محركاً أساسياً للفكر المعرفي، إذ تؤكد القراءات المتضافرة أن الذات لا تعرف نفسها عبر الانكفاء والعزل، إنما تولد وتتجدد باستمرار في مرآة الآخر وعبور أفق الغيرية.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي