آخر الأخبار

أين تنتهي حرية المعتقد وأين تبدأ سلطة التشريع المدني؟

+حجم الخط-



تحيط بالفلسفة السياسية وفلسفة القانون معضلة الترسيم الإبستموقراطي والمؤسسي للحدود الفاصلة بين الحيز الروحي الفردي والتشريع السياسي الجماعي، متسائلة عن المعيار الذي يحدد أين تتوقف حرية الاعتقاد والتعبير الديني للأفراد والجماعات، وأين تبدأ السلطة السيادية للتشريع المدني في فرض قواعدها الكونية والمحايدة على المجال العام. 
ينشأ هذا التوتر الفلسفي بين اتجاه ليبرالي يوسع دائرة الحريات الفردية ويطالب بتحييد الدين عن التشريع، واتجاه جماعاتي أو ديني يرى أن القيم الأخلاقية والدينية تشكل النسيج الأساسي للتشريع ولا يجوز فصل القاون عن منظومة الاعتقاد المجتمعي.



يؤسس التقليد الليبرالي الحديث، المُمثل بجون رولز ويورغن هابرماس، أطروحة "العقلانية العامة" (Public Reason) والحياد الإجرائي للدولة. يرى رولز أن في المجتمعات الديمقراطية التعددية، لا يمكن تأسيس التشريعات المدنية الملزمة على براهين دينية أو مقدسات خاصة لا تقبل النقاش العقلاني المشترك، إنما يجب أن تستند التشريعات إلى مبررات ومفاهيم سياسية مقبولة من جميع المواطنين بغض النظر عن عقائدهم. يدافع هذا الاتجاه عن أسبقية الحق على الخير، مؤكدين أن حرية الاعتقاد والضمير يجب أن تظل مصانة في المجال الخاص، بينما يتولى التشريع المدني تنظيم الفضاء العام وفق قواعد قانونية وعقلانية بحتة تضمن المساواة للجميع.



يقدم في المقابل نقاد الليبرالية، من منظري الجماعاتية والفلاسفة السياسيين التقليديين، نقداً جذرياً لثنائية المجالين العام والخاص، مبينين أن الفصل المطلق بين الدين والتشريع المدني هو وهم اصطناعي. يرى هذا التيار أن الأفراد لا يعيشون بمعزل عن هوياتهم الثقافية والدينية، وأن القوانين المدنية الكبرى—كأخلاقيات الأسرة، وقضايا الإجهاض، وتنظيم المجال الأخلاقي—تحمل بالضرورة انحيازات قيمية وفلسفية لا يمكن تجريدها من أصولها التراثية أو الدينية. يجادل أصحاب هذا المنظور بأن منع المؤمنين من الاحتكام إلى مرجعياتهم القيمية في الفضاء العام يشكل نوعاً من الإقصاء الممنهج وانتهاكاً لحرية التعبير والمشاركة الديمقراطية.



يغوص يورغن هابرماس في مراجعته النقدية لـ "ما بعد العلمانية" في معالجة هذه المعضلة، مطوراً مفهوم واجبات المواطنة التواصليّة؛ حيث لا يطالب المؤمنين بإقصاء معتقداتهم عند دخول الفضاء العام، إنما يطالبهم "بترجمة" حججهم الدينية إلى لغة عقلانية عامة مفهومة من قبل الجميع، مقابل مطالبة الدولة العلمانية بعدم إغلاق الأذن أمام الإمكانات الأخلاقية الكامنة في الخطاب الديني والتي قد تغني التشريع المدني ذاته. يعيد هذا الطرح هندسة العلاقة، محولاً الحدود من قطيعة جائرة إلى حوار نقدي مستمر.



يتأمل فلاسفة القانون والتشريع المقارن الأفق المعرفي لهذا التشابك، مبيّنين أن الخط الفاصل بين حرية المعتقد وسلطة القانون ليس ثابتاً، بل يُعاد تفاوضه باستمرار عبر الآليات الديمقراطية والتفسيرات الدستورية. يبرز التوتر جلياً بين نزعة تشريعية صارمة تحصر الدين في دائرة الضمير الفردي الخالص، ونزعة مجتمعية تصر على تغلغل القيم القيمية والأخلاقية في صلب التشريعات الكبرى.



يظل السؤال المفتوح حول حدود التوازن بين الحق الفردي في الاعتقاد والسيادة القانونية للتشريع المدني محركاً أساسياً للفكر السياسي، إذ تؤكد القراءات المتضافرة أن التشريع الأكثر عدالة هو الذي يحمي حريات الأفراد الروحية ويصون في الوقت ذاته قواعد العيش المشترك والمساواة العامة.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي