آخر الأخبار

هل المواطنة عقد قانوني مجرد أم انتماء ثقافي وتاريخي عضوي؟

+حجم الخط-



ما المبدأ التأسيسي الذي يمنح الفرد صفة "المواطن" ويشرعن انتماءه للجمع السياسي: هل تتأسس المواطنة على عقد إجرائي وقانوني مجرد يربط الأفراد بالدولة عبر منظومة متساوية من الحقوق والواجبات بمعزل عن خلفياتهم المسبقة، أم أنها تشترط انتماءً ثقافياً وتاريخياً عضوياً يستند إلى تجانس لغوي، أو حضاري، أو وجدان قومي مشترك لا يستقيم العقد السياسي بدونه؟ 
ينشأ هذا التوتر المعرفي بين اتجاه ليبرالي إجرائي يعلي من شأن الحياد الدستوري، واتجاه جماعاتي وقومي يرى في الثقافة والروائح التاريخية الشرط الشارط لتماسك المجتمع السياسي.



يؤسس التقليد الليبرالي الحديث، الممتد من جون لوك وإيمانويل كانط وصولاً إلى جون رولز ويورغن هابرماس، الأطروحة المدافعة عن المواطنة الإجرائية والدستورية. يرى هابرماس عبر مفهومه الشهير "الوطنية الدستورية" (Constitutional Patriotism) أن المواطنة في المجتمعات المعاصرة المتعددة لا يمكن أن تتأسس على وحدة العرق، أو الدين، أو التراث التاريخي المغلق، إنما يجب أن تنشأ عن ولاء سياسي وقانوني للمبادئ والمؤسسات الدستورية الحامية للحريات وحقوق الإنسان. يدافع أصحاب هذا الطرح عن المواطنة بوصفها بقعة حياد إجرائي تحرر الفرد من إكراهات انتمائه الولادي، وتضمن مساواة كليّة بين جميع المواطنين بغض النظر عن منابتهم الثقافية أو الإثنية.



يقدم في المقابل نقاد الليبرالية من أصحاب الطرح الجماعاتي والقومي، أمثال تشارلز تايلور ومحمود ممداني ومايكل والزر، نقداً جذرياً لوهم "العقد المجرد". يوضح هذا التيار أن الإنسان ليس كائناً هلامياً يبرم العقود في فراغ، إنما هو ذات محملة بسياق تاريخي ولغوي؛ ومن ثم فإن المواطنة التي تتجاهل الروابط الثقافية والعضوية تتحول إلى مجرد بنية قانونية جافة تعجز عن خلق "التضامن الاجتماعي" والحس بالمسؤولية المشتركة. يجادل أصحاب هذا المنظور بأن العقد القانوني يحتاج دائماً إلى "عصبية" أو رصيد من الولاء الوجداني والتاريخي المتبادل بين الأفراد كي يمتلك القوة الأخلاقية التي تدفع المواطن للتضحية والالتزام بالقوانين.



يغوص المؤرخون والفلاسفة السياسيّون في بيان أن التجارب التاريخية للدول أظهرت صراعاً مستمراً بين النموذج الحصري/الثقافي والنموذج الإجرائي/الجمهوري؛ فالإغراق في "المواطنة العضوية/الثقافية" غالباً ما أدى إلى نزعات إقصائية وعنصرية تهمش الأقليات والمهاجرين وتصنفهم كمواطنين من درجات أدنى، بينما أدى الإغراق في "المواطنة الإجرائية الجافة" إلى اغتراب الأفراد، وضعف المشاركة السياسية، وتفكك الرابطة الاجتماعية لصالح الفردانية الاستهلاكية.



يتأمل المنظّرون المعاصرون في فلسفة المواطنة إمكانية صياغة تركيب متقدم يتجاوز هذا التقابل الحاد، عبر التأسيس لـ "مواطنة ديناميكية تداولية"؛ حيث لا تُختزل المواطنة في مجرد نصوص دستورية صماء، ولا تقع في فخ التقديس العرقي أو الثقافي المغلق، إنما تُفهم بوصفها ممارسة سياسية وأخلاقية مستمرة، يتفاوض فيها الأفراد حول حدود عيشهم المشترك ويجددون ولاءهم الدستوري عبر الفضاء العمومي الحر.



يبقى السؤال المفتوح حول حدود التوازن بين حيدة العقد القانوني وعمق الانتماء الثقافي محركاً أساسياً لفكر العيش المشترك، إذ تؤكد القراءات المتضافرة أن المواطنة الأكثر نضجاً واستقراراً هي التي تحمي الحقوق الإجرائية المتساوية للجميع، وتصون في الوقت ذاته التنوع الثقافي والتاريخي الذي يغني الوجدان الجمعي للأمة.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي