إن قراءة «المواطنة» (Citizenship) في كتاب «المراقبة والمعاقبة» لميشيل فوكو تقدم نقدًا جذريًا وبنيويًا للنظرية السياسية الليبرالية والتعاقدية؛ إذ ينسف فوكو الأسطورة التي ترى في المواطنة مجرد "عقد قانوني حر" بين أفراد مستقلين ودولة تحمي حقوقهم.
تتحول المواطنة لدى فوكو من صفة قانونية مجردة تُمنح للحقوقيين، إلى «تأهيل انضباطي ومطابقة سلوكية»، حيث لا يمكن للفاعل أن يصبح "مواطنًا صالحًا" إلا بعد مروره عبر سلسلة طويلة من المؤسسات التي تروض جسده وعقله (المدرسة، المصحة، الثكنة، السجن).
يمكن قراءة أبعاد المواطنة النقدية في الكتاب عبر المحاور التالية:
1. وهم «العقد الاجتماعي»: الانضباط كشرط مضمر للمواطنة
في الفكر السياسي التقليدي (هوبز، لوك، روسو)، تُبنى المواطنة على المساواة الإرادية أمام القانون. يقلب فوكو هذه السردية:
المساواة الشكلية مقابل الإخضاع الفعلي: بينما تعلن النصوص القانونية والدساتير العصر الحديث عن المساواة والشعب السياد، تبني المؤسسات الانضباطية اليومية شبكة هائلة من عدم المساواة والتسلسل الهرمي.
البنية التحتية للمواطنة: المواطنة القانونية الحرّة لا يمكنها العمل إلا لأن هناك بنية تحتية من التقنيات الانضباطية التي تضمن طاعة الأجساد واستقرار النظام العام. الانضباط هو الثمن السري الذي تدفعه الأجساد لتنال صفة "المواطن".
2. صناعة «المواطن النافع والمطيع» (Docile and Useful Citizen)
لا تبحث السلطة الحديثة عن مجرد رعايا يخافون بطش الملك، إنما تحتاج إلى نوع جديد من المواطنين يتلاءم مع الاقتصاد الرأسمالي والدولة الإدارية:
معادلة الإنتاجية والطاعة: تُعرف المواطنة الانضباطية بالقدرة على الجمع بين الحد الأقصى من الإنتاجية الاقتصادية والحد الأقصى من الخضوع السياسي.
التأهيل المؤسسي: عبر المدرسة، والتجنيد الإجباري، والتدريب الفني، يُعاد تشكيل الفرد ليكون "مواطنًا نافعًا". المواطنة هنا ليست انتمائه السياسي بالمعنى الأرسطي (المشاركة في الحكم)، بل هي المطابقة السلوكية مع المعايير الإنتاجية.
3. ثنائية «المواطن الممتثل» مقابل «الخارج عن المواطنة» (Delinquent)
تتشكل المواطنة في المراقبة والمعاقبة عبر الإبعاد والتصنيف المعياري:
سلب الصفة المواطنية: السجين والمجرم والمنحرف ليسوا مجرد أفراد خرقوا القانون، إنما هم أفراد أُثبت عدم صلاحيتهم لصفة "المواطن".
إنتاج الهامش: عبر عزل المجرمين في مؤسسة السجن وتأطيرهم كـ "أرباب جرائم" (Delinquents)، تُحدد السلطة الحدود الخارجية للمواطنة المقبولة، وتستخدم هذا الهامش كفزاعة لحث بقية المجتمع على الامتثال للمعيار السوي (Normalization).
4. استبدال «حقوق المواطن» بـ «ملف المواطن» (Dossier Citizenship)
تتحول المواطنة من مجرد ورقة حقوقية إلى «سجل رقمي وأرشيفي مستمر»:
المواطنة القابلة للفحص: المواطن الحديث هو مواطن يُفحص بانتظام (Examination). تتحدد مواطنيته وجدارته بالاندماج الاجتماعي عبر السجلات المدرسية، والتقارير الطبية، والسجل العدلي، وملاحظات الكفاءة.
الشفافية المشروطة: المواطنة لا تُمارس في الفضاء العام بحرية كاملة، بل تُمنح بشرط خضوع الفرد للمراقبة المستمرة وقابليته للتتبع والتدوين.
5. «البانوبتيكون الاجتماعي»: استدخال الواجب المواطني
تصل الفلسفة الانضباطية للمواطنة إلى ذروتها عندما يتشرب الفرد آليات المراقبة:
المواطن كحارس لمرتبته: في النموذج البانوبتيكي، لا تحتاج الدولة إلى شرطي خلف كل مواطن؛ لأن المواطن يتعلّم كيف يراقب نفسه، ويمتثل للقوانين، ويحافظ على انضباطه الذاتي باعتباره "تعبيرًا عن المواطنة الصالحة".
الديمقراطية المروضة: تحول هذا الاستدخال المواطنة من فاعلية نقدية وسياسية قادرة على المساءلة، إلى أداة ضبط ذاتي تحمي الاستقرار المؤسسي.
تعليقات: (0) إضافة تعليق