تمهيد
انتهت المحاضرة السابقة إلى أن تعريف المعرفة على أنها إدراك حسي لا يصمد أمام الفحص. واجه هذا التعريف مشكلة التناقض بين الإدراكات في الظروف المختلفة. واجه أيضاً مشكلة العجز عن التمييز بين إدراك اليقظة وإدراك الحلم.
لكن فشل التعريف الأول لا يعني التخلص من الحواس تماماً. يقر سقراط بأن الحواس تقدم مادة أولية للمعرفة. اللون الأحمر الذي تراه العين موجود في العالم. الصوت الحاد الذي تسمعه الأذن موجود في العالم. المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن هذه المادة الأولية تشكل المعرفة الكاملة.
يبحث سقراط في هذه المحاضرة عن العنصر المفقود. العنصر الذي يحول الإدراك الحسي المتناقض والمتغير إلى معرفة ثابتة واضحة.
حجة الخداع الحسي
يقدم سقراط حجة بسيطة لكنها قوية. الحواس تخدعنا في كثير من المواقف. العصا المستقيمة تبدو مكسورة في الماء. البرج المربع يبدو مستديراً من بعيد. الملعقة الفضية تبدو وكأنها تنكسر عند ملامستها لسطح الزئبق.
في كل هذه الأمثلة، نعرف أن الحواس تقدم إدراكات خاطئة. لا نعرف هذا من خلال حواس أخرى. نعرف هذا من خلال العقل. العقل هو الذي يقارن بين إدراك البصر وإدراك اللمس. العقل هو الذي يحكم بأن العصا مستقيمة رغم أن العين ترى انكسارها.
لو كانت المعرفة هي الإدراك فقط، لما استطعنا اكتشاف خطأ إدراكاتنا. لما استطعنا القول إن البرج مستدير ظاهرياً لكنه مربع حقيقة. كل إدراك كان سيصبح حقيقة مستقلة لا تقبل المراجعة. هذا لا يتوافق مع خبرتنا اليومية في تصحيح أخطائنا الحسية.
هل جميع الإدراكات متساوية؟
سؤال آخر يطرحه سقراط بشكل غير مباشر: إذا كانت المعرفة هي الإدراك، فهل إدراك الشخص السليم يساوي إدراك الشخص المريض؟ هل إدراك الشخص الصاحي يساوي إدراك الشخص النائم؟
لو طبقنا مذهب بروتاغوراس بدقة، يصبح الجواب نعم. كل إدراك صحيح بالنسبة إلى صاحبه في لحظة حدوثه. هذا يعني أن إدراك المريض بأن هناك أصواتاً لا وجود لها يصبح معرفة حقيقية بالنسبة إليه. هذا يعني أن إدراك الحالم بأنه يطير يصبح معرفة حقيقية بالنسبة إليه.
لا يقبل سقراط هذه النتيجة. يرى سقراط أن هناك فرقاً بين الإدراك الحقيقي والإدراك الزائف. هناك فرق بين الإدراك الصحيح والإدراك المشوش. هذا الفرق لا تصنعه الحواس. تصنعه قدرة العقل على الفحص والمقارنة والتمييز.
الحواس تخبرنا بـ«كيف» وليس بـ«ما»
يقدم سقراط فكرة دقيقة في هذا الجزء من الحوار. الحواس تخبرنا عن صفات الأشياء النسبية: هذا الشيء ساخن، ذاك الشيء ثقيل، هذا الصوت مرتفع. لكن الحواس لا تخبرنا عن ماهية الأشياء نفسها. لا تخبرنا عن وجود الأشياء. لا تخبرنا عن وحدتها أو كثرتها. لا تخبرنا عن تشابهها أو اختلافها.
مثال توضيحي: العين ترى لوناً أبيض وشكلاً مستديراً. العين لا تخبرك أن هذا الشيء هو ثلج. العين لا تخبرك أن هذا الثلج موجود في العالم الخارجي. العين لا تخبرك أن الثلج يختلف عن السكر رغم تشابه اللون.
هذه المعرفة الماهوية تأتي من العقل وليس من الحواس. العقل هو الذي يركب الإدراكات الحسية في شيء واحد يسمى «ثلج». العقل هو الذي يحكم على وجود هذا الشيء. العقل هو الذي يميز بين الثلج والسكر. الحواس تقدم المواد الخام. العقل يصنع المعرفة.
ما العنصر المفقود إذاً؟
يصل سقراط إلى نتيجة مهمة. المعرفة تحتاج إلى عنصرين معاً. العنصر الأول: الإدراك الحسي الذي يضعنا في اتصال مع العالم. العنصر الثاني: العقل الذي يحكم وينظم ويقارن ويستدل.
الخطأ الذي وقع فيه ثيتيتوس في التعريف الأول هو حصر المعرفة في العنصر الأول فقط. ثيتيتوس نسي أن الحواس وحدها عمياء بلا عقل. يمكن تشبيه الحواس بقدمين قويتين. القدمان تتحركان في الأرض لكنهما لا تعرفان الاتجاه. العقل هو البوصلة. بدون البوصلة، تتحرك القدمين في كل اتجاه دون هدف.
التحدي الآن أن نحدد ما الذي يفعله العقل بالضبط. كيف يحكم العقل؟ ما الأدوات التي يستخدمها في تمييز الصحيح من الخاطئ؟ هذه الأسئلة ستقودنا إلى التعريف الثاني في المحاضرة القادمة.
خلاصة
أثبت سقراط أن الحواس وحدها لا تكفي للمعرفة لثلاثة أسباب.
السبب الأول: الحواس تخدعنا في مواقف كثيرة ولا نملك داخل الحواس ذاتها أداة لاكتشاف هذا الخداع.
السبب الثاني: لو سلمنا بكل إدراك على أنه معرفة، يصبح إدراك المريض والنائم والصاحي والسليم متساوياً. هذه نتيجة لا يقبلها العقل السليم.
السبب الثالث: الحواس تخبرنا عن الصفات النسبية للأشياء لكنها لا تخبرنا عن ماهية الأشياء ولا عن وجودها ولا عن وحدتها.
المعرفة إذن تحتاج إلى عنصر عقلي إضافي. سيبحث سقراط وثيتيتوس عن طبيعة هذا العنصر في التعريفات القادمة.
تمرين المحاضرة الثالثة
انظر إلى أي شيء أمامك الآن. صف ما تراه. ثم اسأل نفسك: أي المعلومات التي ذكرتها جاءت من عينيك فقط؟ وأيها جاء من عقلك؟ شارك إجابتك في قسم التعليقات.
%20(1).png)
تعليقات: (0) إضافة تعليق