آخر الأخبار

المحاضرة الرابعة(ثياتيتوس): المعرفة هي الرأي الصحيح

 


تمهيد

بعد أن فشل تعريف المعرفة على أنه إدراك حسي، يقدم ثياتيتوس تعريفاً جديداً. يقول ثياتيتوس: المعرفة هي الرأي الصحيح. يبدو هذا التعريف أقرب إلى الحدس الأولي للإنسان. عندما نطلب من شخص أن يصف موقفاً عرف فيه شيئاً ما، لن يقول «أدركته بحواسي». سيقول «اعتقدت اعتقاداً صحيحاً». الاعتقاد الصحيح يبدو مرادفاً للمعرفة في اللغة اليومية.

لكن سقراط، كعادته، لا يقبل التعريف قبل فحصه. يطرح سقراط سؤالاً محرجاً. هل يمكن للإنسان أن يمتلك رأياً صحيحاً دون أن يمتلك معرفة؟ إذا كانت الإجابة نعم، يصبح التعريف خاطئاً. إذا كانت الإجابة لا، نصبح أمام معضلة تحتاج إلى حل.

مثال المحلفين

يقدم سقراط مثالاً بسيطاً لكنه حاسم. يتخيل سقراط محكمة يحاكم فيها رجل متهم بارتكاب جريمة. لم ير المحلفون الجريمة بأعينهم. لم يسمعوا اعترافاً من المتهم. يستمع المحلفون فقط إلى شهادة شهود. بناء على هذه الشهادة، يصدر المحلفون حكماً. يصدرون حكم الإدانة أو البراءة.

في بعض الأحيان، يصادف أن يكون حكم المحلفين صحيحاً. المتهم مذنب بالفعل أو بريء بالفعل. هذا الحكم الصحيح يمثل رأياً صحيحاً لدى المحلفين. لكن السؤال: هل يمكن وصف هذا الرأي الصحيح بالمعرفة؟

يرى سقراط أن الجواب لا. المحلفون لم يعرفوا الحقيقة مباشرة. المحلفون اعتمدوا على شهادة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة. لو كان الشاهد كاذباً وحكم المحلفون بالصواب بالصدفة، فهل كانوا يمتلكون معرفة؟ بالطبع لا. النتيجة الصحيحة التي تأتي عن طريق الصدفة أو عن طريق شهادة غير موثوقة لا تستحق اسم المعرفة.

هذا المثال يكشف فجوة بين الرأي الصحيح والمعرفة. الرأي الصحيح قد يكون محض حظ. قد يكون وليد مصادفة سعيدة. المعرفة تحتاج إلى أكثر من مجرد صواب النتيجة.

الفرق بين الرأي الصحيح والعلم

يستخدم سقراط لفظين مختلفين في اللغة اليونانية: «دوكسا» و«إبستيمي». الدوكسا تعني الرأي أو الاعتقاد. الإبستيمي تعني المعرفة الحقيقية أو العلم. يصر سقراط على أن الدوكسا الصحيحة تختلف عن الإبستيمي.

يمكن توضيح الفرق بمثال من الرياضيات. شخص يعرف أن مجموع زوايا المثلث يساوي مائة وثمانين درجة. هذا الشخص يعرف البرهان ويفهم الخطوات المنطقية التي تؤدي إلى هذه النتيجة. هذا الشخص يمتلك معرفة. شخص آخر يحفظ هذه الحقيقة دون أن يفهم البرهان. يعرف أن المعلم يقول ذلك. يسمع التلاميذ يرددونها. هذا الشخص يمتلك رأياً صحيحاً ولكنه لا يمتلك معرفة. لو سألته عن سبب صحة هذه القاعدة، لن يستطيع تقديم إجابة.

الفرق بين الاثنين يكمن في وجود تبرير أو سبب أو دليل. الرأي الصحيح يحصل على النتيجة الصحيحة. المعرفة تحصل على النتيجة الصحيحة مع فهم سبب صحتها.

الطياف والأرض

يقدم سقراط تشبيهاً جميلاً في هذا الموضع. يشبه سقراط الرأي الصحيح بـ«طياف» أسطوري. الطياف في الأساطير اليونانية مخلوق يرى كل شيء ويعرف الطريق الصحيح لكنه لا يعرف لماذا هذا الطريق صحيح. يقوده نوع من الحدس السليم أو الحظ السعيد.

أما المعرفة فتشبه الإنسان الذي يملك خريطة كاملة ويفهم أسباب اختيار كل طريق. هذا الإنسان لا يصل إلى الهدف بالصدفة. يصل إليه لأنه يعرف لماذا هذا الطريق يؤدي إلى الهدف ولماذا الطريق الآخر يؤدي إلى الضياع.

هذا التشبيه يقود إلى سؤال جديد. إذا كان الرأي الصحيح يصل إلى النتيجة نفسها التي تصل إليها المعرفة في كثير من الأحيان، فلماذا نفضل المعرفة على الرأي الصحيح؟ لماذا يصر سقراط على وجود فرق جوهري بينهما؟

الجواب أن الرأي الصحيح غير ثابت. الرأي الصحيح يهرب من صاحبه مثل تمثال ديدالوس الذي كان يتحرك ويهرب إذا لم يُربط بسلسلة. الإنسان الذي يمتلك رأياً صحيحاً دون تبرير قد يفقد هذا الرأي في لحظة. قد يتعرض لشك يهز ثقته. قد يواجه حجة قوية تدحض اعتقاده دون أن يملك الرد.

أما المعرفة فثابتة. المعرفة مربوطة بسلاسل الأسباب والبراهين. لا تهزها الشكوك السطحية. تواجه الحجج المعارضة بقوة المنطق والأدلة. هذا الثبات هو ما يجعل المعرفة أفضل من الرأي الصحيح.

أين المشكلة إذاً؟

يبدو التعريف الثاني معقولاً الآن. المعرفة هي الرأي الصحيح. يضيف إليه سقراط شرطاً غير مذكور: أن يكون الرأي الصحيح مرتبطاً بسبب أو تبرير أو برهان. لكن هذا الشرط يقود إلى التعريف الثالث الذي سيقدمه ثيتيتوس في المحاضرة السادسة. التعريف الثالث ينص صراحة على أن المعرفة هي الرأي الصحيح مع تفسير.

لكن قبل الوصول إلى التعريف الثالث، يواجه الحوار مشكلة أكبر. كيف يمكن للإنسان أن يعتقد رأياً خاطئاً أصلاً؟ هل من الممكن أن يخطئ الإنسان في رأيه؟ هذا السؤال يقودنا إلى معضلة الرأي الخاطئ. هذه المعضلة ستشغل المحاضرة الخامسة بأكملها.

خلاصة 

يقدم ثياتيتوس تعريفاً جديداً: المعرفة هي الرأي الصحيح. يبدو هذا التعريف أفضل من تعريف الإدراك الحسي. لكن سقراط يكشف أن الرأي الصحيح قد يأتي عن طريق الصدفة أو التقليد الأعمى. الرأي الصحيح الذي يأتي من الصدفة لا يستحق اسم المعرفة. المثال الأشهر هو مثال المحلفين الذين يصدرون حكماً صحيحاً بناء على شهادة كاذبة.

يفرق سقراط بين الرأي الصحيح والعلم. العلم معرفة ثابتة مبنية على أسباب وبراهين. الرأي الصحيح وليد الصدفة أو الحدس وغير ثابت. هذا الفرق يقود إلى ضرورة إضافة عنصر التبرير إلى التعريف.

قبل أن نضيف عنصر التبرير، سنواجه في المحاضرة القادمة سؤالاً أكثر إشكالية: كيف يحدث الخطأ في الرأي أصلاً؟

تمرين 

فكر في معلومة تحفظها عن ظهر قلب وتستخدمها يومياً دون أن تفهم سبب صحتها. مثلاً: الماء يغلي عند مائة درجة. هل تملك معرفة بهذه المعلومة أم رأياً صحيحاً فقط؟

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي