آخر الأخبار

المحاضرة السادسة(ثياتيتوس): الرأي الصحيح مع تفسير

 


تمهيد

بعد أن فشل التعريف الأول «المعرفة إدراك حسي» وفشل التعريف الثاني «المعرفة رأي صحيح»، يقدم ثيتيتوس تعريفاً ثالثاً وأخيراً. يقول ثيتيتوس: المعرفة هي الرأي الصحيح مع تفسير. يضيف ثيتيتوس كلمة «تفسير» إلى التعريف السابق. التفسير هو العنصر المفقود الذي يحول الرأي الصحيح العابر إلى معرفة ثابتة.

يبدو هذا التعريف واعداً. يلتقط التعريف فكرة أن المعرفة تحتاج إلى تبرير أو سبب أو دليل. الرأي الصحيح وحده قد يكون وليد الصدفة. إضافة التفسير تحمي الرأي الصحيح من الزوال والخطأ. ينتظر القارئ أن يكون هذا التعريف هو الوجهة النهائية. ينتظر أن يقدم أفلاطون تعريفاً ناجحاً بعد محاولتين فاشلتين.

لكن سقراط يوجه السؤال الأصعب: ماذا نعني بكلمة «تفسير»؟ ما معنى أن نضيف تفسيراً إلى الرأي الصحيح؟ يستعرض سقراط ثلاثة معاني محتملة للتفسير. يفنّد المعنى تلو الآخر. في النهاية، ينهار التعريف الثالث أيضاً.

المعنى الأول للتفسير: إظهار الفكر بالكلام

يقترح سقراط أن التفسير قد يعني التعبير عن الرأي بالكلمات. الإنسان يملك رأياً صحيحاً في ذهنه. عندما يطلب منه تفسيره، يترجم هذا الرأي إلى كلام مسموع. يعطي صوته للفكر.

هذا المعنى يبدو بسيطاً. لكن سقراط يرفضه بسرعة. أي إنسان يستطيع التحدث يمكنه أن يترجم رأيه إلى كلمات. حتى صاحب الرأي الخاطئ يترجم رأيه الخاطئ إلى كلمات. الترجمة إلى كلام لا تضيف شيئاً إلى صحة الرأي. لا تميز المعرفة من غير المعرفة.

يمكن تشبيه ذلك بشخص يكتب وصفة طبية باللغة العربية. مجرد كتابة الوصفة لا يجعل الوصفة صحيحة. الوصفة تحتاج إلى محتوى طبي دقيق. الكلام وعاء يحمل المحتوى. الكلام ليس المحتوى نفسه. إذن التفسير بهذا المعنى لا يضيف قيمة إلى الرأي الصحيح.

يرفض سقراط هذا المعنى ويمر إلى المعنى الثاني.

المعنى الثاني للتفسير: التحليل إلى عناصر

يقدم سقراط معنى أعمق للتفسير. قد يعني التفسير قدرة الإنسان على تحليل الشيء إلى عناصره الأولى. أن يذكر أجزاء الشيء وليس كله فقط.

يضرب سقراط مثالاً من الشعر. من يعرف هسيودوس شاعراً يعرف هسيودوس ككل. من يستطيع تحليل اسم هسيودوس إلى حروفه الأولى يمتلك معرفة أعمق. التهجئة الصحيحة للاسم تتطلب معرفة الحروف التي يتكون منها الاسم وترتيبها.

ينتقل سقراط إلى مثال العربة. من يرى عربة ويعرف أنها عربة يمتلك رأياً صحيحاً عن العربة. من يستطيع أن يعدد أجزاء العربة: العجل، المحور، الجسم، المقعد، ويربط بينها يمتلك تفسيراً. هذا التفسير هو تحليل الكل إلى أجزائه.

يبدو هذا المعنى مقنعاً. المعرفة الحقيقية تتطلب فهماً لبنية الشيء وتركيبه. لا يكفي أن تعرف أن هذا الشيء عربة. تحتاج إلى أن تعرف ما الذي يجعل هذه القطعة المعدنية عربة وليست كومة حديد.

لكن سقراط يكتشف مشكلة. التحليل إلى عناصر قد يكون ممكناً للأشياء البسيطة. الحروف الهجائية قليلة ويمكن حصرها. أجزاء العربة محدودة. لكن كيف نفسر شيئاً معقداً مثل الدولة أو العدالة أو المعرفة نفسها؟ هل يمكن تحليل هذه المفاهيم إلى عناصر أولية؟ وإذا تعذر التحليل، هل نستسلم لعدم وجود معرفة بها؟

المشكلة الأكبر أن التحليل إلى عناصر يفترض أن العناصر نفسها لا تحتاج إلى تفسير. العناصر هي نهاية التفسير. لكننا لا نستطيع تقديم تفسير للعناصر. لا نملك طريقة لمعرفة أن هذه الحروف هي العناصر الأولى للكلمة. نعرف هذا بحدس أو باعتراف عام. هذا يعني أن المعرفة المبنية على تحليل العناصر تقف في النهاية على أرض غير صلبة.

المعنى الثالث للتفسير: تمييز الشيء عن غيره

يقدم سقراط معنى ثالثاً. التفسير قد يعني قدرة الإنسان على تمييز الشيء عن كل ما يشبهه. أن نذكر العلامة الفارقة التي تجعل هذا الشيء هو نفسه وليس شيئاً آخر.

مثال توضيحي: الشمس. يمكن تعريف الشمس بأنها ألمع جرم في السماء نهاراً. هذا التعريف يميز الشمس عن القمر والنجوم والكواكب الأخرى. العلامة الفارقة هي اللمعان والظهور نهاراً.

هذا المعنى قريب من المنطق الأرسطي فيما بعد. التعريف الحقيقي للشيء هو جنسه القريب وفصله النوعي. الجنس القريب يضع الشيء في فئة عامة. الفصل النوعي يميزه عن باقي أفراد الفئة.

لكن سقراط يطرح سؤالاً. هل معرفة العلامة الفارقة هي نفسها معرفة الشيء؟ أم أن معرفة العلامة الفارقة تفترض معرفة مسبقة بالشيء؟ إذا كنت لا تعرف الشمس أصلاً، كيف ستعرف أن العلامة المذكورة تنطبق على الشمس وليس على جرم آخر؟

هذا السؤال يقود إلى دائرة. لتمييز الشيء عن غيره، تحتاج إلى معرفة الشيء مسبقاً. هذه المعرفة المسبقة هي ما نحاول الوصول إليه بالتفسير. نصبح عالقين في دائرة لا نعرف بدايتها من نهايتها.

انهيار التعريف الثالث

ينتهي سقراط إلى أن التعريف الثالث لا يصمد أمام الفحص أيضاً. كل معنى من معاني التفسير يحمل مشكلة خاصة به.

معنى التفسير كترجمة إلى كلام لا يضيف قيمة معرفية.

معنى التفسير كتحليل إلى عناصر يصطدم بمشكلة تفسير العناصر نفسها.

معنى التفسير كتمييز عن الغير يؤدي إلى دائرة منطقية.

يعترف ثيتيتوس بفشل تعريفه الثالث. يعترف سقراط أيضاً أنه لا يملك تعريفاً بديلاً. ينتهي الحوار كما بدأ: بسؤال مفتوح. ما المعرفة؟

دروس من فشل التعريف الثالث

فشل التعريف الثالث لا يعني أن المحاولة كانت عبثية. تعلمنا خلال هذه المحاضرة ثلاثة أشياء مهمة.

تعلمنا أن المعرفة تحتاج إلى تبرير. الرأي الصحيح وحده لا يكفي. هذا المبدأ سيصبح حجر الزاوية في نظرية المعرفة لقرون قادمة. حتى يومنا هذا، يعرف فلاسفة المعرفة المعاصرة المعرفة بأنها «اعتقاد صحيح موجه بتبرير».

تعلمنا أن مفهوم التبرير نفسه يحتاج إلى تعريف. ليس كل تبرير صالحاً. الترجمة إلى كلام ليست تبريراً. التحليل إلى عناصر يواجه مشكلة النهاية. التمييز عن الغير يواجه مشكلة الدائرة.

تعلمنا أن الفلسفة الحقيقية لا تخشى الفشل. أفلاطون يكتب حواراً كاملاً لا يصل فيه أبطاله إلى جواب. هذا الفشل المقصود يعلّمنا درساً أعمق من أي تعريف جاهز. درس أن السؤال الجيد أهم من الإجابة السريعة.

خلاصة 

يقدم ثيتيتوس تعريفه الثالث والأخير: المعرفة هي الرأي الصحيح مع تفسير. يستعرض سقراط ثلاثة معاني للتفسير ويفنّدها واحداً تلو الآخر.

المعنى الأول: التفسير هو ترجمة الفكر إلى كلام. هذا المعنى ضعيف لأنه لا يضيف قيمة إلى صحة الرأي.

المعنى الثاني: التفسير هو تحليل الشيء إلى عناصره الأولى. هذا المعنى يواجه مشكلة تفسير العناصر نفسها.

المعنى الثالث: التفسير هو تمييز الشيء عن غيره بعلامة فارقة. هذا المعنى يواجه مشكلة الدائرة المنطقية.

ينهار التعريف الثالث. ينتهي الحوار بلا جواب. لكن الطريق إلى هذا الفشل كان مثمراً. وضع الحوار أسس نظرية المعرفة لقرون قادمة. وضع مبدأ أن المعرفة تحتاج إلى تبرير. وضع سؤال كيف نحدد التبرير الصالح.

في المحاضرة السابعة والأخيرة، سنستخلص الدروس الكبرى من حوار «ثيتيتوس» كله.

تمرين 

اختر شيئاً تعرفه جيداً، مثل دراجتك الهوائية أو هاتفك. حاول أن تقدم تفسيراً لهذا الشيء بالمعاني الثلاثة: عبر عن معرفتك به بالكلام، ثم حلله إلى عناصره، ثم اذكر العلامة التي تميزه عن غيره. أي المعاني كان أصعب؟

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي