تمهيد
قبل أن ينتقل سقراط وثيتيتوس إلى التعريف الثالث، يتوقف الحوار عند سؤال مفاجئ. كيف يمكن للإنسان أن يعتقد رأياً خاطئاً أصلاً؟ يبدو هذا السؤال غريباً في البداية. الخطأ يحدث كل يوم. يخطئ الإنسان في تقدير المسافات. يخطئ في تذكر الأسماء. يخطئ في فهم أقوال الآخرين. ما الغريب في حدوث الخطأ؟
لكن سقراط يكتشف أن تفسير الخطأ أصعب مما يبدو. سيقودنا هذا البحث إلى مفارقة منطقية محيرة. بعض المفسرين يعتبرون هذا الجزء من الحوار أعمق ما كتبه أفلاطون في نظرية المعرفة.
لماذا يصعب تفسير الخطأ؟
يبدأ سقراط بطرح حالة بسيطة. شخص يعرف ثيتيتوس معرفة جيدة. يقف سقراط أمام هذا الشخص ويسأله: من هذا الرجل الذي أمامك؟ فيجيب الشخص: هذا ثيتيتوس. الجواب صحيح. لا مشكلة هنا.
لكن لنفرض أن نفس الشخص رأى رجلاً آخر يشبه ثيتيتوس. أخطأ الرجل وظن أن هذا الرجل هو ثيتيتوس. كيف حدث هذا الخطأ؟ السؤال ليس عن سبب نفسي للخطأ. السؤال منطقي: كيف يستطيع العقل أن يعتقد شيئاً غير صحيح حول شيء يعرفه؟
سقراط يضع الاحتمالات كلها على الطاولة. الخطأ لا يمكن أن يكون اعتقاداً بأن الشيء الذي تعرفه هو شيء آخر تعرفه. لا يمكن أن يكون اعتقاداً بأن الشيء الذي لا تعرفه هو شيء آخر لا تعرفه. وأيضاً لا يمكن أن يكون اعتقاداً بأن الشيء الذي تعرفه هو شيء لا تعرفه. كل هذه الاحتمالات تؤدي إلى تناقضات.
الاحتمال الأول: معرفة مع معرفة
لنفرض أن الإنسان يعرف شيئين معرفة تامة. يعرف سقراط ويعرف ثيتيتوس. هل يمكن لهذا الإنسان أن يخطئ فيظن أن سقراط هو ثيتيتوس؟
إذا كان يعرف سقراط معرفة تامة، فلديه في ذهنه صورة واضحة عن سقراط. إذا كان يعرف ثيتيتوس معرفة تامة، فلديه في ذهنه صورة واضحة عن ثيتيتوس. صورتان مختلفتان تماماً. كيف يمكن للعقل أن يخلط بينهما؟ كيف يمكن للعقل أن ينسب صفات سقراط إلى ثيتيتوس مع أنه يعرف بدقة من هو سقراط ومن هو ثيتيتوس؟
يبدو هذا مستحيلاً. من يعرف محمداً حق المعرفة لا يظن أن محمداً هو أحمد. من يعرف التفاحة حق المعرفة لا يظن أن التفاحة هي البرتقالة.
إذن الخطأ لا يحدث عندما يعرف الإنسان الشيئين معرفة تامة.
الاحتمال الثاني: جهل مع جهل
لنفرض أن الإنسان لا يعرف سقراط ولا يعرف ثيتيتوس. هل يمكن لهذا الإنسان أن يخطئ فيظن أن سقراط هو ثيتيتوس؟
هذا أيضاً مستحيل. الإنسان الذي لا يعرف سقراط البتة لا يمكنه أن يعتقد أي شيء عن سقراط. ليس لديه صورة ذهنية عن سقراط. ليس لديه اسم مرتبط بصفات. كيف يعتقد أن هذا الشخص هو سقراط أو ليس سقراط؟ لا يمكن للإنسان أن يحكم على شيء لا يعرفه أصلاً.
الجاهل المطلق لا يخطئ. الجاهل المطلق لا يصيب أيضاً. الجاهل المطلق لا يعتقد شيئاً حول الموضوع الذي يجهله. الخطأ يحتاج إلى قدر من المعرفة المسبقة. الجهل المطلق لا يصنع خطأ ولا يصنع صواباً.
إذن الخطأ لا يحدث عندما يجهل الإنسان الشيئين جهلاً تاماً.
الاحتمال الثالث: معرفة مع جهل
لنفرض أن الإنسان يعرف سقراط معرفة تامة لكنه يجهل ثيتيتوس تماماً. يرى رجلاً في السوق. يعتقد هذا الإنسان أن الرجل الذي يراه هو ثيتيتوس. في الحقيقة الرجل هو سقراط. هل يمكن أن يحدث هذا؟
لنحلل الموقف. الإنسان يعرف سقراط معرفة تامة. لديه صورة ذهنية دقيقة عن سقراط. الرجل الذي يراه في السوق هو سقراط نفسه. صورة سقراط الذهنية تتطابق مع الرجل الذي يراه. لما ذا يعتقد الإنسان أن هذا الرجل هو ثيتيتوس؟
لا يمكن أن يعتقد أن سقراط هو ثيتيتوس لأنه يعرف سقراط جيداً ويعرف أن سقراط مختلف عن ثيتيتوس. لا يمكن أن يعتقد أن شخصاً تطابق صورته الذهنية عن سقراط هو ثيتيتوس. هذا مستحيل أيضاً.
إذن كيف يحدث الخطأ إذاً؟ سقراط يصل إلى نتيجة محبطة. يبدو أن الخطأ مستحيل منطقياً. لكننا نرتكب الأخطاء كل يوم. هناك تناقض بين المنطق والتجربة. هذا التناقض هو معضلة الرأي الخاطئ.
محاولة الحل: تشبيه طائر المعرفة
يحاول سقراط حل المعضلة باقتراح جديد. يقترح سقراط تشبيه العقل بقفص يضم طيوراً مختلفة. بعض الطيور تمثل المعارف التي نمتلكها. بعض الطيور تمثل معارف لم نكتسبها بعد.
عندما يريد الإنسان استحضار معرفة معينة، يمد يده إلى القفص ويحاول الإمساك بالطائر المناسب. الخطأ يحدث عندما يمسك الإنسان بطائر خطأ. يظن أنه أمسك بمعرفة «سقراط» لكنه يمسك بمعرفة «ثيتيتوس». العقل يمتلك المعرفة لكنه يفشل في استحضارها في اللحظة المناسبة. مثل رجل يمتلك ثوباً في خزانته لكنه يلبس ثوباً آخر بالخطأ.
هذا التشبيه يحل جزءاً من المعضلة. الخطأ لا يعني غياب المعرفة. الخطأ يعني فشلاً في استدعاء المعرفة الصحيحة عند الحاجة. الإنسان يعرف الفرق بين سقراط وثيتيتوس في الظروف العادية. لكن في لحظة معينة، ربما تحت ضغط أو سرعة أو تشابه، يستدعي الصورة الخاطئة.
بقية المعضلة
لكن سقراط ليس راضياً تماماً عن هذا الحل. يعترف سقراط أن التشبيه يحتاج إلى تطوير. كيف نميز بين امتلاك المعرفة واستخدام المعرفة؟ كيف نميز بين المعرفة التي نمتلكها لكننا لا نستخدمها حالياً والمعرفة التي لا نملكها أصلاً؟
هذه الأسئلة ستظل مفتوحة في الحوار. لن يقدم أفلاطون إجابة نهائية عن طبيعة الرأي الخاطئ. لكن هذا الفشل في الوصول إلى حل كامل يعلمنا درساً مهماً. نظرية المعرفة مليئة بالمعضلات التي لم تحل بعد. مهمة الفيلسوف أن يطرح الأسئلة بدقة، لا أن يقدم أوهاماً على أنها حلول.
خلاصة
يكتشف سقراط أن تفسير الرأي الخاطئ أصعب مما يبدو. لا يمكن أن يحدث الخطأ عندما يعرف الإنسان الشيئين معرفة تامة. لا يمكن أن يحدث عندما يجهلهما جهلاً تاماً. لا يمكن أن يحدث عندما يعرف أحدهما ويجهل الآخر. كل هذه الاحتمالات تؤدي إلى تناقضات.
يحاول سقراط حل المعضلة عبر تشبيه طائر المعرفة في القفص. يحدث الخطأ عندما يستدعي الإنسان معرفة خاطئة من مخزونه المعرفي. الإنسان يمتلك المعرفة الصحيحة لكنه يفشل في استحضارها في اللحظة المناسبة.
يبقى الحل ناقصاً. يترك أفلاطون المعضلة مفتوحة لتبقى شاهداً على صعوبة فهم آلية الخطأ. هذا الدرس في التواضع المعرفي هو أحد أهم ما يقدمه «ثيتيتوس» لقارئه.
تمرين
فكر في آخر مرة أخطأت فيها في التعرف على وجه شخص تعرفه جيداً. هل حدث ذلك لأنك لا تعرف هذا الشخص؟ أم حدث ذلك لأنك استدعيت الصورة الخطأ من ذاكرتك بسرعة؟
%20(1).png)
تعليقات: (0) إضافة تعليق