آخر الأخبار

المحاضرة السابعة(ثياتيتوس) : دروس من ثياتيتوس

 


تمهيد

ينتهي حوار «ثياتيتوس» دون أن يصل سقراط وثيتيتوس إلى تعريف نهائي للمعرفة. جرب الحوار ثلاثة تعريفات متعاقبة. فشل التعريف الأول «المعرفة إدراك حسي». فشل التعريف الثاني «المعرفة رأي صحيح». فشل التعريف الثالث «المعرفة رأي صحيح مع تفسير». يغادر المشاركون الحوار كما أتوا: حائرين.

هذه النهاية تخيب توقع كثير من القراء. يعتاد القارئ الحديث على الكتب التي تقدم حلولاً. يعتاد على المؤلف الذي يدعي امتلاك الحقيقة. أفلاطون يفعل العكس. يكتب أفلاطون حواراً كاملاً يصل إلى لا شيء.

لكن هذا «اللا شيء» هو بالضبط ما يريد أفلاطون تعليمه. سنستخلص في هذه المحاضرة الدروس الكبرى التي يتركها «ثياتيتوس» لقارئه.

الدرس الأول: الفلسفة تبدأ من الاعتراف بالجهل

يمثل سقراط في الحوار نموذج الفيلسوف الذي لا يدعي المعرفة. يعلن سقراط في بداية الحوار وفي نهايته أنه لا يعرف ما المعرفة. لا يشعر سقراط بالخجل من هذا الاعتراف. يشعر سقراط أن هذا الاعتراف هو شرط البدء في التفلسف.

من يعتقد أنه يمتلك الإجابات النهائية يتوقف عن البحث. من يعترف بجهله يبدأ رحلة السؤال. ثياتيتوس كان يظن أن الإجابة سهلة. بعد الحوار، يعرف ثيتيتوس أن السؤال أصعب مما تخيل. هذا التحول من الثقة الزائدة إلى التواضع المعرفي هو أول دروس الفلسفة.

يقدم أفلاطون نموذجاً في تعليم التفلسف لا في تعليم الفلسفة. تعليم التفلسف يعني تعليم طريقة السؤال والفحص والنقد. تعليم الفلسفة يعني تقديم إجابات جاهزة عن أسئلة الفلاسفة. أفلاطون يختار الأول.

الدرس الثاني: الحوار أفضل من الخطاب

لو كتب أفلاطون مقالاً مباشراً عن نظرية المعرفة، لكان القارئ قد حصل على مجموعة من الأطروحات. كان سيقرأ القارئ جملة «أفلاطون يرى أن المعرفة ليست إدراكاً حسياً». كان سيعرف القارئ النتيجة دون أن يعيش رحلة الوصول إليها.

أفلاطون يختار قالب الحوار ليشرك القارئ في عملية التفكير. عندما يقرأ القارئ سؤال سقراط، يتوقف القارئ ليفكر في الإجابة. عندما يقرأ اعتراض سقراط، يعيد القارئ النظر في إجابته. عندما يقرأ فشل التعريف، يشعر القارئ أنه فشل مع ثياتيتوس.

هذه المشاركة الفعالة تحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى مفكر نشط. لا يخرج قارئ «ثياتيتوس» بنفس الطريقة التي دخل بها. يخرج قارئ «ثيتيتوس» وقد تمرن على الشك المنهجي والفحص الدقيق. هذا التدريب لا تقدمه الأطروحات الجاهزة.

الدرس الثالث: الفشل المعرفي منتج

يفشل «ثياتيتوس» في الوصول إلى تعريف. لكن هذا الفشل ليس فشلاً عبثياً. فشل الحوار أنتج معرفة مهمة.

أنتج الحوار معرفة أن المعرفة ليست مجرد إدراك حسي. أنتج معرفة أن المعرفة ليست مجرد رأي صحيح. أنتج معرفة أن التفسير يحتاج إلى تعريف دقيق. أنتج معرفة أن الرأي الخاطئ معضلة حقيقية تحتاج إلى حل.

هذه المعرفة السلبية -أي معرفة ما ليست المعرفة- لا تقل قيمة عن المعرفة الإيجابية. في كثير من الأحيان، يكون تعلم ما ليس صحيحاً خطوة ضرورية للوصول إلى ما هو صحيح. يقدم «ثياتيتوس» نموذجاً للبحث العلمي الجاد. البحث لا يضمن الوصول إلى الحقيقة. البحث يضمن فقط استبعاد الخطأ.

يمكن تشبيه ذلك بمن يبحث عن كنز في منطقة واسعة. كل محاولة فاشلة تضيق منطقة البحث. معرفة أن الكنز ليس في هذه الحفرة هي معرفة قيمة. فشل التعريفات الثلاثة يضيء الطريق لمن يأتي بعد أفلاطون. أرسطو، وشكوكيون، وهيوم، وكانط، كلهم استفادوا من فشل «ثياتيتوس».

الدرس الرابع: المعرفة تحتاج إلى تبرير

رغم فشل التعريف الثالث، يبقى المبدأ الذي قام عليه صحيحاً. المبدأ أن الرأي الصحيح وحده لا يكفي. يحتاج الرأي الصحيح إلى تبرير أو سبب أو تفسير ليصبح معرفة.

هذا المبدأ سيصبح حجر الزاوية في نظرية المعرفة الغربية. حتى فلاسفة اليوم يعرفون المعرفة بأنها «اعتقاد صحيح موجه بتبرير». صاغ هذا التعريف أفلاطون في «ثياتيتوس» قبل أكثر من ألفين وثلاثمائة سنة.

التحدي الذي تركه أفلاطون دون حل هو تحديد طبيعة التبرير. ما الذي يجعل تبريراً معيناً صالحاً؟ كيف نميز بين التبرير الحقيقي والتبرير الوهمي؟ هذه الأسئلة ستشغل الفلاسفة حتى يومنا هذا.

الدرس الخامس: الفلسفة رحلة وليس وجهة

يحافظ «ثياتيتوس» على حالة الحيرة حتى النهاية. لا يقدم أفلاطون عزاءً للقارئ. لا يقدم أفلاطون تعريفاً بديلاً سرياً يمكن للقارئ الذكي اكتشافه. الحيرة حقيقية وقصدية.

هذه النهاية تعلم القارئ أن الفلسفة لا تنتهي. كل إجابة تفتح باب أسئلة جديدة. كل تعريف مكتمل يكشف عن نقص في التعريف. من يظن أنه وصل إلى الحقيقة النهائية توقف عن التفلسف. من يعيش في الحيرة ويستمتع بالسؤال هو الفيلسوف الحقيقي.

يقدم أفلاطون نفسه في هذا الحوار ليس كحكيم يمتلك الحكمة، بل كعاشق للحكمة. كلمة «فيلسوف» في اليونانية تعني «عاشق الحكمة» وليس «صاحب الحكمة». «ثياتيتوس» هو تجسيد لهذا المعنى. يظل سقراط عاشقاً للحكمة يبحث عنها ولا يجدها. وهذا أجمل من أن يجدها ويستريح.

خلاصة 

ينتهي «ثياتيتوس» بلا إجابة نهائية عن سؤال «ما المعرفة؟». لكن الفشل في الوصول إلى إجابة لا يعني عبثية الرحلة.

تعلمنا من هذا الحوار خمسة دروس كبرى.

تعلمنا أن الفلسفة تبدأ من الاعتراف بالجهل لا من الادعاء بالمعرفة.

تعلمنا أن الحوار أفضل من الخطاب في تعليم التفلسف.

تعلمنا أن الفشل المعرفي منتج لأنه يستبعد الخطأ ويضيء الطريق.

تعلمنا أن المعرفة تحتاج إلى تبرير حتى لو لم نستطع تعريف التبرير بدقة.

تعلمنا أن الفلسفة رحلة مستمرة وليست وجهة نهائية.

قارئ «ثياتيتوس» يخرج من الحوار ليس بأجوبة جديدة، إنما بقدرة جديدة على السؤال. يخرج وقد تخلص من ثقته الزائدة في إجاباته السريعة. يخرج وقد تعلم أن الحيرة ليست عيباً بل بداية الحكمة.

هذه هي الهدية التي يقدمها أفلاطون لكل قارئ يجرؤ على دخول حواره.


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي