آخر الأخبار

كانط: من أيقظه هيوم من سباته فقلب الفلسفة رأساً على عقب

+حجم الخط-


قلّ في تاريخ الفلسفة من قضى حياته كلها في مدينة واحدة، لم يغادرها قط، ومع ذلك أحدث فيها انقلاباً غيّر مسار الفكر الإنساني كله. وُلد إيمانويل كانط في الثاني والعشرين من أبريل عام 1724 في مدينة كونيغسبيرغ، عاصمة بروسيا الشرقية، وهي اليوم كالينينغراد الروسية. 

كان أبوه سرّاجاً فقيراً من أصل اسكتلندي، وأمه امرأة تقية ذكية ذات أثر عميق في تكوينه الأخلاقي، وقد نشأ في بيت متواضع يغلب عليه الطابع الديني البروتستانتي المتشدد، وهو ما انعكس لاحقاً في صرامته الأخلاقية ونزعته إلى الواجب. 

دخل جامعة مدينته في السادسة عشرة ليدرس الفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية، ثم عمل بعد تخرجه مدرساً خاصاً في بيوت الأسر الثرية لسنوات، حتى نال درجة الدكتوراه عام 1755 وبدأ التدريس في الجامعة، وحصل على كرسي المنطق والميتافيزيقا عام 1770، وظل يدرّس فيها حتى تقاعده قبل وفاته بسنوات قليلة.


عاش كانط حياة بالغة الانتظام والرتابة، حتى قيل إن أهل كونيغسبيرغ كانوا يضبطون ساعاتهم على موعد خروجه اليومي للتنزه، وهو لم يتزوج ولم يسافر قط خارج محيط مدينته، ومع ذلك كان موسوعياً في اطلاعه، يتابع مستجدات العلوم والأدب والشؤون العالمية، وله إسهامات في الجغرافيا الطبيعية والأنثروبولوجيا وحتى في فهم حركة الرياح. 

لكن حياته الفكرية لم تكن هادئة على هذا النحو؛ فقد مرّ بمرحلة طويلة من البحث والتأمل قبل أن يبلغ ذروة إنتاجه، ولم ينشر عمله الكبير الأول في الفلسفة النقدية إلا وهو في السابعة والخمسين من عمره، عام 1781، حين صدر "نقد العقل المحض".


وإذا أردنا فهم ما فعله كانط، فلا بد من العودة إلى من أيقظه من "سباته العقائدي"، كما قال هو نفسه عن ديفيد هيوم. فقد كان كانط قبل ذلك يميل إلى العقلانية الدوغمائية التي ورثها عن لايبنتز وفولف، والتي تزعم أن العقل قادر بذاته على معرفة الله والنفس والعالم. لكن هيوم جاء بتحليله الشهير للسببية، وأظهر أن ما نسميه "ضرورة" في العلاقة بين السبب والنتيجة ليس إلا عادة ذهنية ناتجة عن التكرار، لا معرفة برهانية. فأدرك كانط أن العقلانية التقليدية انهارت، وأن التجريبية بدورها تؤدي إلى الشك المطلق، وأن الميتافيزيقا صارت ساحة معركة لا حسم فيها. فكان مشروعه هو إقامة محاكمة للعقل نفسه، لتحديد ما يمكنه أن يعرفه بيقين وما لا يمكنه، بدلاً من أن يظل يتخبط في دعاوى بلا دليل.


وهنا جاءت "ثورته الكوبرنيكية". فبدل أن يسأل: كيف تتطابق أفكارنا مع الأشياء كما هي في ذاتها؟ سأل سؤالاً معاكساً: كيف تتشكل الأشياء التي نعرفها وفق بنية عقولنا؟ ورأى أن المعرفة ليست انطباعاً سلبياً يستقبله الذهن من الخارج، إنما عملية تركيب نشطة؛ فالمادة الخام تأتي من الحواس، لكن العقل هو الذي يمنحها صورتها، عبر أشكال قبلية للحدس هي المكان والزمان، ومقولات قبلية للفهم مثل الكمية والكيفية والعلية. 

وبهذا، فإن ما نعرفه ليس الأشياء كما هي في ذاتها، إنما كما تظهر لنا عبر عدسات عقولنا. فالعالم الذي نعرفه عالم ظواهر، أما "الشيء في ذاته" فيبقى خارج حدود المعرفة الممكنة، وإن كان لا يمكن إنكاره. ومن هذه النتيجة المعرفية، انطلق كانط إلى الأخلاق، حيث كان له إسهام لا يقل ثورة. فإذا كان العقل النظري عاجزاً عن إثبات وجود الله وخلود النفس، فإن العقل العملي، أي الإرادة الأخلاقية، هو الذي يفتح باباً آخر. 

فالإنسان، بوصفه كائناً عاقلاً، يملك إرادة حرة تستطيع أن تضع لنفسها قانوناً أخلاقياً لا يأتيها من الخارج، إنما من صميم عقلها. وهذا هو "المشروع الأخلاقي" الذي صاغه كانط في "نقد العقل العملي" و"أسس ميتافيزيقا الأخلاق": أن تكون الأفعال صادرة عن واجب، لا عن ميل أو منفعة، وأن يُختبر كل فعل بسؤال: هل يمكن أن يصبح قانوناً عاماً؟ هذه هي الصيغة الأولى لما سماه "القانون القطعي" أو الأمر المطلق، وهي الصيغة التي تلزم الفرد بأن يتصرف كما لو كان تشريعه الخاص سيصبح تشريعاً لكل العقلاء. وفي صيغته الثانية، الأكثر شهرة، يقول: عامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل آخر، دائماً، كغاية في ذاتها، لا مجرد وسيلة. فالإنسان، في نظر كانط، ليس شيئاً يُستخدم، بل كائن يستحق الاحترام بذاته، لأنه عاقل وحر وقادر على التشريع الأخلاقي.


ولم تكتمل دائرة نقده إلا بكتابه الثالث، "نقد ملكة الحكم" عام 1790، حيث عالج فيه الحكم الجمالي والغائية في الطبيعة. رأى كانط أن حكمنا على شيء بأنه جميل ليس حكماً معرفياً يصف خصائص الشيء، إنما حكم ذوقي يشعر به الذات، ومع ذلك فهو يطمح إلى موافقة الآخرين، لأنه يقوم على "لعب حر" بين الخيال والفهم، وهو ما يجعل الجمال تجربة إنسانية مشتركة رغم فرديتها. وقد صاغ كانط في هذا الكتاب أيضاً تحليله للجليل، كتجربة انفعالية تهز النفس أمام ما يتجاوز قدرة الخيال على الإحاطة به، كالطبيعة الهائلة أو العواصف.


توفي كانط في الثاني عشر من فبراير عام 1804، بعد حياة من الانتظام الصارم والتفكير العميق، وقد شهد في سنواته الأخيرة صعود نجم فلسفته في أرجاء ألمانيا وأوروبا، حتى صار الشبان يحجون إلى كونيغسبيرغ لرؤيته. 

ويمكن القول إن الفلسفة الغربية بعده لم تكن كما كانت قبله؛ فقد أغلق كانط باب الميتافيزيقا التقليدية وأعاد تعريف حدود العقل، وفتح في الوقت نفسه باباً جديداً للأخلاق يقوم على الحرية والكرامة لا على الخوف من عقاب أو طمع في ثواب. 

وإذا كان هيوم قد أيقظه من سباته، فإن كانط بدوره أيقظ الفلسفة من سباتها الدوغمائي، ووضع الإنسان في مركز العالم، لا بوصفه سيداً عليه، بل بوصفه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يسأل: ماذا يمكنني أن أعرف؟ وماذا ينبغي أن أفعل؟ وما الذي يجوز لي أن أرجوه؟

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي