آخر الأخبار

هل المعرفة العلمية نتاج موضوعي محايد أم أنها محكومة بآيديولوجيات وسياقات مجتمعية؟

+حجم الخط-



تتصدر إبستمولوجيا العلوم وعلم اجتماع المعرفة إشكالية الحياد الإيديولوجي والقيمي للنشاط العلمي، متسائلة عما إذا كانت المعرفة العلمية تمثل نتاجاً موضوعياً خالصاً، محايداً، ومتعالياً عن الأهواء البشرية والمصالح الفئوية، أم أنها ممارسة إنسانية محكومة بنيوياً بـ القيم (Values)، والتمويلات الاقتصادية، والأطر الأيديولوجية والسياقات المجتمعية التي تصوغ أسئلتها، وتوجه أولوياتها، وتؤثر في تأويل نتائجها. ينشأ هذا التوتر المعرفي بين اتجاه استقلالي معيار يرى في المنهج العلمي الحصن المنيع للموضوعية والحياد الصارم، واتجاه نقدي سوسيولوجي يؤكد أن العلم لا يمارس في فراغ اجتماعي أو تجريد مطلق.


يؤسس التيار العقلاني والوضعي الكلاسيكي أطروحة الحياد العلمي (Value-Free Science)، مشدداً على التمييز الصارم بين "عالم الحقائق" و"عالم القيم". يرى أصحاب هذا المنظور، أمثال روبرت ميرتون في أطروحيته حول الأعراف العلمية (CUDOS)، أن المؤسسة العلمية تتسم بالموضوعية والكونية والتجرد من المصالح الذاتية، حيث يخضع المنتج العلمي لمعايير إمبيريقية وصورية مستقله عن انتمائات العالم الثقافية والسياسية. يدافع هذا الاتجاه عن استقلالية المعرفة، مؤكداً أن خطأ العلماء أو توظيف السياسيين للتكنولوجيا لا يقدح في حياد القانون العلمي ذاته؛ فالقانون الطبيعي صادق أو كاذب بغض النظر عن السياق الذي اكتُشف فيه.


يقدم فلاسفة المدرسة النقدية (كمدرسة فرانكفورت) وعلم اجتماع المعرفة المعاصر في المقابل نقداً جذرياً لأسطورة الحياد المطلق. يرى يورغن هابرماس في كتابه "التقنية والعلم كـ إيديولوجيا" أن العلم والتقنية تحولا في العصر الحديث إلى أداة للهيمنة وتبرير السلطة تحت ستار الموضوعية والحياد الإجرائي. يطور هيلين لونجينو وتوماس كون ودراسات النسوية للعلم هذا المنظور، مبيّنين أن القيم الإبيستيمية (كالبساطة والاتساق) والقيم غير الإبيستيمية (كالسياسات، والمصالح الاقتصادية، والانحيازات الجندرية والثقافية) تتخلل صلب العمل العلمي؛ بدءاً من تمويل أبحاث بعينها دون غيرها، وصولاً إلى بناء الفرضيات وتأويل البيانات الإمبيريقية.


يغوص فلاسفة التقنية والسياسات العلمية المعاصرون في تحليل هيمنة المجمع العلمي-الصناعي ووجهات التمويل الرأسمالي، مبيّنين أن توجيه الأبحاث الطبية، والذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي محكوم بشركات عابرة للقارات وسياقات جيوسياسية معقدة تتجاوز النوايا الفردية للعلماء. يبرز هذا التحليل أن الادعاء بالحياد المطلق قد يتحول إلى أداة لتغييب المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للعلماء، مما يستدعي إعادة الاعتبار لإيثيقيا العلوم وتوجيه البحث المعرفي لخدمة الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.


يتأمل المنظّرون المعاصرون الأفق المعرفي لهذا النقاش، محاولين تأسيس مفهوم "الموضوعية التشاركية" أو "الموضوعية القوية" (Strong Objectivity) التي صاغتها ساندرا هاردينغ. يرى هذا التيار التوفقيقي أن الاعتراف بتأثير القيم والسياقات الاجتماعية لا يعني السقوط في النسبية أو نفي القيمة المعرفية للعلم، بل يقتضي ممارسة نقدية مستمرة تكشف عن الانحيازات الضمنية وتتيح تعددية في الرؤى داخل الجماعة العلمية لضمان إنتاج معرفي أكثر دقة وإنسانية.


تتضح في ختام هذه المعالجة الإبستمولوجية والاجتماعية أن إشكالية الحياد العلمي وحاكمية القيم تمثل البعد الأخلاقي والسياسي الأكثر حساسية في فلسفة العلوم. يظل السؤال المفتوح حول الحدود الفاصلة بين استقلالية المنهج وضغوط السياق الاجتماعي محركاً أساسياً لفلسفة المعرفة، إذ تؤكد القراءات المتضافرة أن العلم الأكثر نضجاً هو الذي يجمع بين الرصانة المنهجية والوعي الإيثيقي العميق بمسؤوليته تجاه الإنسان والمجتمع.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي