وُلد آرثر أونكين لوفجوي في برلين بألمانيا عام ألف وثمانمئة وثلاثة وسبعين، لأب يعمل قسًا في بوسطن وأم ألمانية، فنشأ بين عالمين ثقافيين، وتلقى تعليمه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي ثم في جامعة هارفارد حيث حصل على الماجستير عام ألف وثمانمئة وسبعة وتسعين، ثم درس في السوربون في باريس . علّم في جامعة ستانفورد ثم واشنطن ثم ميزوري، وفي عام ألف وتسعمئة وعشرة انتقل إلى جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، حيث بقي أستاذًا للفلسفة حتى تقاعده عام ألف وثلاثمئة وثمانية وثلاثين، وتوفي في بالتيمور عام ألف وتسعمئة واثنين وستين .
كان سؤاله المركزي هو: كيف نكتب تاريخ الفكر البشري؟ وكيف نتتبع الأفكار لا الفلاسفة ولا الأنظمة؟ وكيف نميز بين فكرة وفكرة، بين مفهوم ومفهوم، في تيار الوعي الإنساني الذي يبدو متصلًا بلا حدود؟ كان يرى أن تاريخ الفلسفة كما كُتب من قبل كان تاريخ أنظمة مغلقة وأسماء كبيرة، بينما المهم في تاريخ الفكر هو «أفكار الوحدة»، أي تلك الأفكار البسيطة التي تظل ثابتة وتتكرر وتتحول عبر التاريخ، وتنتقل من مجال إلى مجال، ومن عصر إلى عصر، ومن لغة إلى لغة . وقد قارن منهجه بالكيمياء: كما يحلّل الكيميائي المركبات المعقدة إلى عناصرها الأولية، هكذا يجب أن يحلل مؤرخ الأفكار العقائد والأنظمة الفلسفية إلى عناصرها البسيطة، ثم يتتبع رحلتها عبر الزمن .
هذا المشروع هو ما جعله مؤسس تخصص «تاريخ الأفكار» بوصفه حقلًا مستقلًا، لا مجرد فرع من الفلسفة أو التاريخ أو الأدب. وفي عام ألف وتسعمئة وأربعين أسّس مجلة «تاريخ الأفكار» مع فيليب ب. وينر، وظلت منذ ذلك الحين منبرًا أساسيًا لهذا الحقل . وقد كان عضوا في الجمعية الفلسفية الأمريكية منذ عام ألف وتسعمئة واثنين وثلاثين، وكان من مؤسسي رابطة أساتذة الجامعات الأمريكية .
لكن الكتاب الذي جعل لوفجوي واحدًا من أكثر المؤرخين الفكريين تأثيرًا في القرن العشرين هو «سلسلة الوجود العظمى: دراسة في تاريخ فكرة» الذي صدر عام ألف وتسعمئة وستة وثلاثين، وكان في الأصل محاضرات ألقاها في جامعة هارفارد عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين . في هذا الكتاب تتبع لوفجوي فكرة «سلسلة الوجود» من أفلاطون وأرسطو إلى أفلوطين، ثم إلى العصور الوسطى وعصر النهضة والقرن الثامن عشر، ثم إلى الرومانسية . وكان يرى أن هذه الفكرة تقوم على ثلاثة مبادئ: مبدأ الامتلاء، أي أن الكون ممتلئ بكل الموجودات الممكنة؛ ومبدأ الاتصال، أي أن الموجودات متصلة في سلسلة لا فراغ فيها؛ ومبدأ التدرج، أي أن هذه السلسلة تنتظم من أدنى الموجودات إلى الله . وقد بيّن لوفجوي كيف أن هذا التصور لم يكن مجرد فكرة فلسفية، إنما كان إطارًا يربط بين اللاهوت والعلم والقيم في الفكر الغربي لقرون، وكيف تحطم في النهاية تحت تأثير الرومانسية والتطور الدارويني والنسبية الأينشتاينية .
ومن كتبه الأخرى المهمة «ثورة ضد الثنائية» عام ألف وتسعمئة وثلاثين، وهو كتابه الفلسفي الأكبر، دافع فيه عن الثنائية المعرفية، أي أن المعرفة تتعلق بواقع مستقل عن الذهن، لكنها تتوسط عبر تصورات وأفكار، ضد النزعة الأحادية التي دعا إليها برتراند راسل وألفريد نورث وايتهيد . وكتب أيضًا «مقالات في تاريخ الأفكار» عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، و«تأملات في الطبيعة البشرية» عام ألف وتسعمئة وواحد وستين، و«العقل والفهم والزمان» في العام نفسه، و«البدائية والأفكار المتصلة بها في العصور القديمة» مع جورج بواس . وقد انتخب عضوًا في الجمعية الفلسفية الأمريكية، وكانت له إسهامات في نظرية المعرفة والميتافيزيقا، خاصة في فلسفة الزمن، إذ كان يدافع عن واقعية الزمن بما فيه الزمن الماضي .
تأثر لوفجوي بويليام جيمس وجوشيا رويس في هارفارد، وببرغسون في السوربون، وبالكيميائيين في منهج التحليل إلى عناصر بسيطة. وأثّر هو في كل من جاء بعده في تاريخ الأفكار والفلسفة والدراسات الأدبية، وصار اسمه مرتبطًا بمفهوم «أفكار الوحدة» الذي ما زال أساسيًا في هذا الحقل. وقد كان لكتاب «سلسلة الوجود العظمى» أثر عميق في النقد الأدبي، إذ فتح الباب أمام دراسة الأفكار في الأدب لا بوصفها انعكاسات للسياق الاجتماعي، بل بوصفها وحدات معرفية لها حياتها الخاصة .
انتُقد لوفجوي كثيرًا، واتُّهم منهجه بالتبسيط المفرط، إذ إن اختزال الأفكار المعقدة إلى «أفكار وحدة» يفترض أن الأفكار يمكن أن تُفصل عن سياقاتها وتُعالج كذرات معزولة، وهذا يفقدها جزءًا كبيرًا من معناها . كما اتُّهم بأن منهجه «أفكار الوحدة» يجعل تاريخ الفكر تراكمًا ميكانيكيًا لأفكار تتكرر وتتحول، بلا دور للصراع والقطيعة والتاريخ الاجتماعي. واتُّهم برفضه للنزعة الأحادية بالجمود، وبأنه يدافع عن ثنائية معرفية لا تتوافق مع تطور العلوم المعرفية. لكن حتى منتقدوه يعترفون بأنه أسّس حقلًا لم يكن موجودًا، وأن كتابه «سلسلة الوجود العظمى» ما زال من الكتب الأساسية في تاريخ الفكر، وأن مفهوم «أفكار الوحدة» نفسه، رغم نقده، ظل أداة تحليلية فعّالة في دراسة انتقال المفاهيم بين الحقول والعصور.
يبقى لوفجوي مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة: كيف تنتقل الأفكار بين الثقافات والعصور؟ كيف نكتب تاريخًا للفكر لا يكون مجرد سرد للفلاسفة؟ ما الفرق بين فكرة تتكرر وفكرة تتطور؟ وكيف نفهم التغيرات الفكرية الكبرى التي غيّرت وجه العالم، من الإيمان بسلسلة الوجود إلى التطور إلى النسبية؟ لم يقدم لوفجوي إجابات نهائية، لكنه علّمنا أن الأفكار لها تاريخ، وأن تاريخها ليس سيرة أفراد، إنما رحلة عناصر معرفية تنتقل وتتحول وتترك أثرًا في كل ما تلمسه.
تعليقات: (0) إضافة تعليق