وُلد أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا في قرية أفشنة قرب بخارى عام تسعمئة وثمانين ميلادية، في أسرة فارسية تنتمي إلى المذهب الإسماعيلي في بداياتها، ثم انتقلت إلى بخارى حيث نشأ الصبي. كان أبوه موظفًا في إدارة الدولة السامانية، فتهيأت لابنه فرصة التعليم في واحدة من أرقى بيئات العالم الإسلامي في ذلك الوقت. حفظ القرآن في صباه، ثم درس الفقه والنحو والمنطق والرياضيات والفلسفة، وأخذ الطب عن أبي المنصور القمراني، حتى قال عن نفسه إنه صار طبيبًا ماهرًا قبل أن يبلغ السادسة عشرة، وإنه لم يجد في الطب كتابًا صعبًا بعد أن قرأ ما قرأ. ولما مرض السلطان نوح بن منصور الساماني استُدعي ابن سينا لعلاجه، فنجح في ذلك، ومكّنته مكانته عند السلطان من دخول المكتبة الملكية، حيث قرأ ما لم يقرأه غيره، وبنى لنفسه معرفة موسوعية نادرة.
عاش ابن سينا حياة مضطربة سياسيًا، لكنها غنية فكريًا. فقد سقطت الدولة السامانية، وتنقّل بين بخارى وجرجان والري وهمذان وأصفهان، وعمل في بلاطات الأمراء والسلاطين، وتولّى الوزارة مرتين، وسُجن مرة، وفرّ مرة، وكان في كل ذلك يكتب ويدرّس ويطبّب ويحاضر. كان يكتب في السرج أحيانًا، وفي السفر، وفي الليل بعد يوم طويل من العمل السياسي. وقد قيل إنه كان يكتب في اليوم خمسين ورقة، وكان إذا استعصت عليه مسألة توضّأ وصلى ثم عاد إليها. توفي في همذان عام ألف وثلاثين ميلادية وهو في الثالثة والخمسين تقريبًا، بعد مرض طويل، ودُفن هناك، وما زال قبره مزارًا حتى اليوم.
كان سؤاله المركزي هو: كيف نجمع بين الفلسفة والعلم والدين في نظام واحد متماسك؟ وكيف نفهم الوجود والوجود الواجب والوجود الممكن؟ وكيف نُفسّر العلاقة بين العقل والوحي، وبين الطبيعة والإله، وبين النفس والجسد؟ كان يرى أن الفلسفة ليست خصمًا للدين، إنما أداة لفهمه، وأن العقل والوحي لا يتناقضان في جوهرهما، إنما يتكاملان، وأن من حق الفيلسوف أن يجتهد في فهم النصوص الدينية فهمًا عقليًا لا يهدمها ولا يُلغِيها.
أكبر أعماله الفلسفية هو «الشفاء»، وهو موسوعة ضخمة تغطي المنطق والطبيعيات والرياضيات والميتافيزيقا والأخلاق والسياسة، وقد تُرجم إلى اللاتينية في العصور الوسطى وصار مرجعًا أساسيًا في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر. ثم كتب «النجاة» وهو اختصار للشفاء، و«الإشارات والتنبيهات» وهو آخر كتبه الفلسفية وأكثرها نضجًا وأسلوبًا، وصار له شروح كثيرة من بعده، أشهرها شرح نصير الدين الطوسي. وكتب «المبدأ والمعاد» في الميتافيزيقا والآخرة، و«الحدود» في تعريف المصطلحات، و«المنطق» و«البرهان» و«الجدل» في فروع المنطق، و«السياسة» في تدبير المدينة، و«أسباب حدوث الحروف» في الصوتيات.
أما في الطب، فكتابه «القانون في الطب» هو أشهر كتاب طبي في تاريخ الحضارة الإسلامية، وقد بقي يُدرَّس في جامعات أوروبا مثل مونبلييه وباريس حتى القرن السابع عشر، وتُرجم إلى اللاتينية مرات كثيرة، وكان المرجع الأساسي في التعليم الطبي في أوروبا لقرون. يقسم القانون الطب إلى نظريات وممارسات، ويعالج التشريح والفسيولوجيا والأمراض والأدوية والعلاج، ويجمع فيه ابن سينا بين طب جالينوس وطب أبقراط وتجاربه الخاصة ومشاهداته. وله أيضًا «الأرجوزة في الطب» وهي منظومة شعرية في الطب، ورسائل في الأدوية القلبية والقولنج والحميات.
في الميتافيزيقا، طرح ابن سينا تمييزًا شهيرًا بين «الوجود الواجب» و«الوجود الممكن»، أي بين ذلك الذي وجوده من ذاته ولا يحتاج إلى غيره، وذلك الذي وجوده من غيره ويمكن أن يكون أو لا يكون. ومن هنا بنى برهانه على وجود الله بوصفه الواجب الوجود بذاته، وأول العلل، ومبدأ كل شيء. ومن مفاهيمه أيضًا «الوجود والجوهر»، و«الكليات»، و«العقل الفعال»، وهي كلها مفاهيم صاغها في حوار مع أرسطو وأفلوطين والفارابي، لكنه أعاد تشكيلها في نسق خاص به، وصارت أساسًا لما عُرف لاحقًا بـ«الفلاسفة المشائين» في الإسلام.
وفي علم النفس والفلسفة، طرح ابن سينا فكرة «الوجود المعلّق» أو «الإنسان الطائر»، وهي تجربة فكرية شهيرة: لو فُرض أن إنسانًا خُلق كاملًا في لحظة واحدة، ثم عُلّق في الهواء ووُضع في وضع لا يمس فيه شيئًا ولا يسمع ولا يرى، فإنه مع ذلك سيشعر بوجود ذاته، وسيعرف نفسه بلا حاجة إلى جسده. وبهذه التجربة الفكرية، حاول أن يُثبت أن النفس جوهر مستقل عن البدن، وأن وعي الذات ليس ناتجًا من الحواس ولا من الجسد وحده، وهي فكرة أثرت في فلسفة الذات في الغرب، ويُذكر أنها وصلت إلى ديكارت في صيغتها اللاتينية.
وفي المنطق، طوّر ابن سينا تراث أرسطو وفارابي، وأضاف إلى المنطق الأرسطي أبوابًا جديدة في القياس والبرهان والجدل والمغالطة، وربط المنطق بالمعرفة وبالوجود، واعتبر أن المنطق أداة العلوم كلها لا علمًا مستقلًا عنها. وله إسهام في «البرهان» و«الحدود» و«المقاييس» و«القياس»، وشرحه لنظرية القياس الأرسطي بقي أساسًا للدراسات المنطقية في الشرق والغرب لقرون.
في العلوم الطبيعية، كتب في الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والأحياء والفلك والموسيقى، وله آراء في الحركة والسكون والزمان والمكان والخلاء، وقد تأثرت أوروبا ببعض آرائه في الميكانيكا والفلك في العصور الوسطى وعصر النهضة، خاصة عبر ترجمات الشفاء إلى اللاتينية.
أثر ابن سينا في الحضارة الإسلامية وفي الفكر الغربي على حد سواء. ففي العالم الإسلامي، صار مرجعًا للفلسفة والطب، وشرحه الطوسي والرازي وابن رشد وابن تيمية وغيرهم، وانتُقد أو تُوافق معه أو تُعارضه، لكن لم يستطع أحد أن يتجاهله. وفي الغرب اللاتيني، عُرف باسم «Avicenna»، وترجمت أعماله في طليطلة وصقلية، وأثّر في ألبرتوس الكبير وتوما الأكويني وروجر باكون ودنس سكوتوس، وفي الفلسفة المدرسية والطب الأوروبي، وبقي اسمه إلى اليوم مرتبطًا بمفاهيم أساسية في الميتافيزيقا والطب وعلم النفس.
انتُقد ابن سينا بشدة من فقهاء ومتكلمين مسلمين، وخاصة الغزالي في «تهافت الفلاسفة» حيث اتهمه بثلاث مسائل كفرية: القول بأزلية العالم، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنكار حشر الأجساد. فردّ عليه ابن رشد في «تهافت التهافت»، لكن ابن سينا ظلّ محل جدل بين philosophers والمتكلمين. واتُّهم أيضًا بأنه مزج الأرسطية بالأفلاطونية وبالفكر الإسماعيلي، وبأن ميتافيزيقاه عقيمة أو حلولية، وبأنه قدّم الدين للفلسفة أكثر مما قدّم الفلسفة للدين. لكن حتى خصومه لم يستطيعوا إنكار إسهامه في الطب والمنطق والميتافيزيقا، ولا أثره الذي تجاوز عصره وحدود بلده.
يبقى ابن سينا مهمًا اليوم لأنه نموذج نادر للعقل الموسوعي الذي يجمع بين الفلسفة والطب والرياضيات والمنطق، ولأنه طرح أسئلة ما زالت حاضرة: ما علاقة العقل بالدين؟ ما معنى الوجود الواجب والوجود الممكن؟ ما العلاقة بين النفس والجسد؟ كيف نبني نظامًا معرفيًا متكاملًا يجمع العلم والفلسفة والدين؟ وكيف نفهم الوعي والذات في علاقتها بالجسد؟ لم يقدّم ابن سينا إجابات نهائية، لكنه علّمنا أن العلم والفلسفة لا يتناقضان بالضرورة، وأن العقل يمكن أن يخدم الإيمان بلا أن يُلغِيَه، وأن الإنسان يمكن أن يكون طبيبًا وفيلسوفًا وسياسيًا في وقت واحد. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤثرًا، شرقًا وغربًا.
تعليقات: (0) إضافة تعليق