ما وضع «الكليات» مثل الحق والخير والجمال والإنسانية: هل لها وجود واقعي مستقل عن الأفراد، أم هي مجرد أسماء أو مفاهيم ذهنية نستعملها لتنظيم التجربة؟
مقدمة
تُمثّل هذه المسألة «مشكلة الكليّات» (Problem of Universals) واحدة من أقدم وأعمق معارك الإبستمولوجيا والأنطولوجيا؛ إذ تسأل عن الطبيعة الوجودية للقيم والمفاهيم التجريدية الممتدة فوق الأفراد، كالحق، والخير، والجمال، والإنسانية، أو حتى المفاهيم المنطقية كالتربيع والمثلثية. فهل هذه الكليات ذوات واقعية أصيلة قائمة في الخارج، أم مجرد صور في أذهاننا، أم مجرد ألفاظ لغوية تواضعنا عليها؟ تتحدد الإجابات عن هذه المسألة عبر مواقف فلسفية تاريخية كبرى، يتفرع عنها موقف فلسفي متأخر يوفق بينها، وهو ما يستدعي عرضًا منظمًا لبنية المشكلة ومراتب الوجود التي ترتبط بها.
الموقف الواقعي الأفلاطوني (الواقعية المفرطة / Realism)
الرؤية أن الكليات لها وجود واقعي حقيقي ومستقل تماماً عن أفرادها وعن الذهن البشري. والطرح الأنطولوجي أن الإنسان الفرد، مثل سقراط أو أفلاطون، هو فرد زائل ومحدود، لكن «الإنسانية» أو «الخير بالذات» ليس مجرد فكرة، إنما هو كائن مجرد خالد قائم في عالم المُثُل (Realm of Forms). أما التأويل، فالجمال ليس مجرد شعور في عين الناظر؛ إنما هناك «الجمال المطلق» في عالم المُثُل، وما الأشياء الجميلة الجزئية في عالمنا الحسي إلا مشارَكات بالفيض (Participation) أو ظلال باهتة لهذا الكلي الأبدي. والحق والخير والقوانين الأخلاقية ليست موضوعة إنسانية، إنما هي حقائق أنطولوجية صلبة نكتشفها ولا نبتكرها.
الموقف الاسمي (الاسمية / Nominalism)
أبرز الأعلام هنا وليام الأوكامي (William of Ockham)، والفلسفة التجريبية الحديثة (جون لوك، ديفيد هيوم)، والوضعية المنطقية. والرؤية أنه لا وجود للكليات إطلاقاً في الواقع الخارجي؛ فالواقع لا يحتوي إلا على أفراد أشخاص وجزيئات حصرية. والطرح الأنطولوجي أن «الإنسانية»، أو «الخير»، أو «الجمال» ليست ذواتاً ولا أشكالاً، إنما هي مجرد «أسماء» (Names/Nomina) أو أصوات لغوية تواضع عليها البشر لتجميع الأفراد المتشابهين في خانة واحدة لسهولة التواصل وتنظيم التجربة. أما التأويل، فلا يوجد شيء اسمه «الجمال» كذات مستقلة، إنما توجد أوردة، ولوحات، ووجوه معينة نطلق عليها نحن صفة «جميلة» بناءً على بنيتنا الحسية أو التواضع الاجتماعي. و«الإنسانية» مجرد كلمة نختصر بها مليارات الأفراد العينيين؛ ولو اختفى البشر والأفراد، فلن تبقى هناك «إنسانية» معلقة في الهواء.
الموقف المفهومي (المفهومية / Conceptualism)
أبرز الأعلام هنا بيتر أبلارد (Peter Abelard)، وإيمانويل كانط. والرؤية أن الكليات ليست ذواتاً مستقلة في الخارج كما ادعى أفلاطون، وليست مجرد ألفاظ فارغة كما ادعى الاسميون، بل هي «تصورات وبنيات ذهنية أصيلة» (Mental Concepts). والطرح الأنطولوجي أن الذهن البشري يمتلك قدرة أنطولوجية على التجريد (Abstraction)؛ فهو يقارن بين الأفراد الجزئيين المتعددين، فينتزع المعنى الكلي المشترك ويصوغه كمفهوم ذهني كلي يختزن الحقيقة المشتركة لتلك الجزئيات. أما التأويل، فـ«الإنسانية» موجودة بالفعل، ولكن مقرها هو العقل التجريدي كوسيلة لتنظيم المعرفة، وليست صنمًا قائمًا بذاته في الفضاء الميتافيزيقي.
التوفيق المفهومي-الميتافيزيقي: الواقعية المعتدلة عند ابن سينا وملا صدرا
حاولت الفلسفة الإسلامية المشائية والصدرائية حسم هذا النزاع عبر تفكيك مراتب الوجود للكلي إلى ثلاثة مستويات.
المستوى الأول هو وجود الكلي قبل الكثرة، أي حقيقة المفهوم في العلم الإلهي أو المبادئ العقلية العليا.
والمستوى الثاني هو وجود الكلي في الكثرة، أي الماهية متحققة ومشخصة داخل الأفراد في الواقع الخارجي.
والمستوى الثالث هو وجود الكلي بعد الكثرة، أي الصورة الكلية المجردة المنتزعة في الذهن البشري.
أما الكلي الطبيعي في الخارج، فالحقيقة الكلية، كالطبيعة الإنسانية، موجودة في الخارج، ولكن ليس بشكل مستقل أو معلق، إنما هي متحصلة وموجودة في ضمن الأفراد وممتزجة بالتشخصات؛ فالإنسانية موجودة كجزء من وجود زيد وعمرو.
وأما الكلي المنطقي في الذهن، فعندما يجرّد الذهن هذه الحقيقة من تشخصاتها الجزئية، تعود مفهوماً كلياً عاماً ينطبق على كثيرين.
مقارنة بين المواقف
في الواقعية الأفلاطونية، يوجد الكلي في عالم المُثُل المستقل عن المادة والذهن، وطبيعة «الخير والجمال» حقائق موضوعية مطلقة أبدية نكتشفها بالفيض والعقل، وأثر الموقف على المعرفة والأخلاق أن المعرفة تذكّر، والأخلاق والجمال معايير صلبة ثابتة لا تتغير بتغير المجتمعات.
وفي الاسمية (Nominalism)، لا وجود للكلي؛ الموجود هو الأفراد والكلمات فقط، وطبيعة «الخير والجمال» تسميات إنسانية وتواضع اجتماعي أو استجابات حسية، وأثر الموقف على المعرفة والأخلاق أن المعرفة تجريبية جزئية، والقيم والأخلاق نسبية وبناءات اجتماعية لغوية.
وفي المفهومية (Conceptualism)، يوجد الكلي في الذهن البشري كأداة ومعنى تجريدي، وطبيعة «الخير والجمال» بنيات تنظيمية شمولية يستخدمها العقل لتفسير العالم، وأثر الموقف على المعرفة والأخلاق أن المعرفة نتاج انتزاع العقل ونظمه للتجربة الحسية.
وفي الواقعية المعتدلة (المشائية)، الكلي سارٍ في الأفراد خارجاً، ومجرد في الذهن، وطبيعة «الخير والجمال» ماهية متحققة في الجزئيات، ومفهوم كلي في العقل، وأثر الموقف على المعرفة والأخلاق أن المعرفة مطابقة للمتحقق في الأفراد عبر انتزاع الماهيات.
خلاصة أنطولوجية
إذا كانت الاسمية تجعل الكليات مجرد حيلة لغوية لتنظيم الحركة اليومية، والواقعية المفرطة تحولها إلى كائنات أسطورية مجردة بعيدة عن واقعنا؛ فإن الرؤية النقدية أو التوفيقية ترى في الكليات، كالحق والخير والجمال، حقائق موضوعية من حيث أصلها ومصاديقها في الأفراد والعلاقات الحقيقية القائمة في العالم، ومفاهيم تجريدية منظّمة من حيث صورتها في الذهن البشري الذي يقدر بها التجربة وينسق من خلالها فهمه للوجود وللمعنى الأخلاقي والجمالي.
خاتمة
إن مشكلة الكليات ليست مجرد نزاع لفظي حول وجود المفاهيم العامة، إنما هي سؤال أنطولوجي ومعرفي يحدد علاقتنا بالواقع والقيم والمعنى. فالواقعية المفرطة تحفظ للكليات موضوعية متعالية، والاسمية تحصر الوجود في الأفراد واللغة، والمفهومية تجعل العقل البشري منتجًا للمعنى الكلي، والواقعية المعتدلة توزع الكلي على مراتب الوجود بين الخارج والذهن. وتبقى قوة هذه المشكلة في أنها تمسّ تصورنا للحق والخير والجمال، وتكشف أن السؤال عن الكليات هو في العمق سؤال عن طبيعة الوجود الإنساني وعلاقته بالعالم والمعنى.
تعليقات: (0) إضافة تعليق