إن القراءة في «الجمهورية» عودة
للتاريخ، ووقوف أمام المرآة الأولى التي كشفت عيوب النفس واختلالات المدينة. هنا،
وضع أفلاطون الشمعة التي لا تزال تنير دروب الفلسفة السياسية
والميتافيزيقا.
يُعدّ كتاب «الجمهورية» المخطط
الهندسي الأول لبناء «الهوية» الجماعية والفردية. يبدأ أفلاطون بسؤال بسيط في
ظاهره، عميق في باطنه: «ما هي العدالة؟». ومن هذا السؤال، تتفرع خيوط الضوء لتشمل
كل جوانب الوجود الإنساني.
يقسم أفلاطون النفس والدولة إلى
ثلاثة قوى (العقل، الغضب، الشهوة)، ويرى أن العدالة هي تناغم أو انسجام بين هذه
القوى. يمثل هذا المفهوم عن التناغم حجر الزاوية الذي نناقشه في قسم [المواطنة]؛
حيث نبحث كيف يتحول الفرد من كائن بيولوجي إلى «مواطن» يدرك دوره في بنية الدولة.
في الكتاب السابع، يقدم أفلاطون
استعارته الشهيرة عن الكهف. إن رحلة السجين من الظلال إلى نور الشمس هي الجوهر
الذي تقوم عليه أقسامنا في [الميتافيزيقا] و[الأكاديمية]؛ فهي دعوة لترك المحسوسات
الزائلة والإمساك بـ «الماهيات» الثابتة واليقينية.
يطرح أفلاطون شرطه القاسي: «لن
تسعد المدن إلا إذا حكمها الفلاسفة». هذه الفكرة تلتقي بشكل مدهش مع إشراقاتنا في
[هوامش الياقوت]؛ حيث نقارن بين «الملك الفيلسوف» وبين مفهوم «الإنسان الكامل» في
العرفان العلوي، ذاك الذي يستمد سلطته الزمنية من استنارته الباطنية.
يناقش الكتاب دور الدين والشعر في
تشكيل وجدان المجتمع، وهو ما يفتح لنا الباب في قسم [نقد الفكر الديني]
و[العلمانية]؛ لنتساءل عن حدود تدخل المقدّس في صياغة القوانين المدنية وكيفية
بناء مجتمع عقلاني يتجاوز «الأساطير الضرورية».

تعليقات: (0) إضافة تعليق