قلّ في فلسفة العلم من أثار غضب الفلاسفة والعلماء معاً بقدر ما أثار بول فايرابند، فهو لم يكتفِ بنقد قواعد المنهج العلمي، إنما ذهب إلى حد وصف العلم بأنه "أيديولوجيا" يجب فصلها عن الدولة كما فُصل الدين عنها، ورفض أن يكون للعلم أي امتياز معرفي على غيره من أشكال المعرفة. وُلد في فيينا في الثالث عشر من يناير عام 1924، لأسرة من الطبقة الوسطى الدنيا؛ كان أبوه موظفاً وأمه خياطة، وقد عاش طفولة وصفتها سيرته الذاتية بالعزلة النسبية . في شبابه، كان يحلم بمهنة الغناء الأوبرالي، لكن الحرب العالمية الثانية أنهت هذا الحلم؛ فقد جُنّد في الجيش الألماني على الجبهة الروسية، حيث أصابته ثلاث رصاصات تركت جسده معطوباً وألمه مستمراً مدى الحياة . بعد الحرب، عمل لفترة في مسرح برتولت بريخت، ثم درس التاريخ والفيزياء والفلك في جامعة فيينا، وانخرط في "دائرة كرافت" الفلسفية التي ضمت فلاسفة وعلماء من خلفيات متنوعة . في عام 1952 ذهب إلى كلية لندن للاقتصاد ليدرس تحت إشراف كارل بوبر، لكنه ما لبث أن تمرد على أستاذه، وانتقل إلى الولايات المتحدة حيث درّس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي منذ عام 1959 حتى تقاعده عام 1990 .
وجاءت شهرته الكبرى من كتابه "ضد المنهج" الصادر عام 1975، والذي كتبه في الأصل على شكل حوار مع صديقه إيمري لاكاتوش، لكن وفاة لاكاتوش المفاجئة عام 1974 حالت دون إتمام المشروع بالصورة التي خططا لها . وأطروحة الكتاب المركزية صادمة في بساطتها: لا يوجد منهج علمي واحد. فالعلماء العظام، في نظر فايرابند، لم يلتزموا بقواعد منهجية صارمة، إنما كانوا "انتهازيين منهجيين" يستخدمون أي حيلة تتاح لهم، حتى لو خالفوا بذلك قواعد المنهج التجريبي . ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة "كل شيء يمشي" (Anything goes)، والتي كثيراً ما أُسيء فهمها بوصفها دعوة إلى العبثية، لكنها في جوهرها رفض لأي معيار مطلق يفرض على العلم من الخارج .
لكن فايرابند لم يتوقف عند نقد المنهج، بل تجاوز ذلك إلى نقد مكانة العلم في المجتمع. ففي كتابه "العلم في مجتمع حر" الصادر عام 1978، طرح فكرة أن العلم ليس إلا "أيديولوجيا من بين أيديولوجيات كثيرة"، وأنه ينبغي فصله عن الدولة كما فُصل الدين عنها، بحيث لا تُمنح معتقداته امتيازاً قانونياً أو تعليمياً على حساب معتقدات أخرى . وقد دفعته هذه الرؤية إلى الدفاع عن "النسبية الديمقراطية"، أي أن لكل ثقافة وتقليد الحق في أن يُسمع صوته على قدم المساواة، دون أن تحتكر الثقافة الغربية العلمية لنفسها حق تحديد ما هو عقلاني وما هو خرافي . وقد أثار هذا الموقف غضباً عارماً، حتى إن بعض critics وصفوه بأنه "أخطر عدو للعلم"، بينما رأى آخرون أنه كان يمارس نقداً "علاجياً" لفلسفة العلم، لا هجوماً على العلم نفسه .
وإلى جانب ذلك، كان لفايرابند إسهام مبكر في مفهوم "اللاقياسية" (Incommensurability)، الذي استخدمه للرد على النزعات الاختزالية في فلسفة العلم، وهو مفهوم تبناه لاحقاً توماس كون وغيره، وإن كان لفايرابند فضل السبق في معالجته . وقد ظل فايرابند حتى وفاته في جنيف في الحادي عشر من فبراير عام 1994 مثيراً للجدل، لا لأنه كان مخطئاً بالضرورة، إنما لأنه رفض أن يقدم الإجابات السهلة التي يريدها كل من العلم والدين والفلسفة. وربما في سؤاله الأصعب: لماذا نمنح العلم سلطة لا نمنحها لغيره من أشكال المعرفة؟ يبقى حضوره قائماً في كل نقاش عن حدود العلم وعلاقته بالسلطة والمجتمع.
-DESKTOP-NLEKN44.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق