إن إشكالية التوازن بين دقة التفسير المادي وعمق المعنى الإنساني تشكل المعترك الأعمق الذي يخوضه الفكر الفلسفي والعلمي عبر تاريخ المعرفة البشرية، إذ يقف العقل الإنساني دائماً على حافة دقيقة تفصل بين آليات الاشتغال المحسوس للكون وغايات الوجود الكبرى.
تتأتى أهمية هذه الثنائية من كونها تمس جوهر التجربة البشرية التي تأبى إلا أن تفهم العالم بمنظورين متكاملين ومتصارعين في آن واحد؛ منظور البرهان التجريبي الذي يفكك الظواهر إلى عناصرها الأولية وقوانينها الرياضية الصارمة، ومنظور الوعي التأملي الذي يسبغ على تلك الظواهر دلالات وجودية وجمالية وأخلاقية تتجاوز حدود المادة الصماء.
تتأسس المقاربة العلمية بحسب جوهرها على ركيزة التجربة والملاحظة والقياس، محاولة الإجابة عن سؤال "كيف" تعمل الأشياء وتتحرك الكائنات وفق حتميات صارمة ترتكز على مبادئ العلية المادية، بينما يرتكن العطش الإنساني إلى سؤال "لماذا" بحثاً عن الغائية والمعنى والدلالة المتجاوزة للمحسوس، مما يضع المعرفة برمتها أمام تحدي بناء جسر رصين يمنع انفصام عرى الحقيقة بين برودة المعادلات ودفء الشعور الوجودي.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق