آخر الأخبار

القطيعة المعرفية مع الإسلام: بين شرعية السؤال وعنف المفهوم

+حجم الخط-


يُطرح مفهوم "القطيعة المعرفية" في العلاقة مع الإسلام محمّلاً بثقلٍ دلاليٍّ لا يمكن تجاهله. فالمصطلح، في أصله (الباشلاري/غاستون باشلار)، لم يُصمّم لوصف العلاقة بين عقلٍ دينيٍّ وعقلٍ علميٍّ فحسب، إنما لالتقاط لحظة انفصالٍ منهجيٍّ يقتضيها التقدّم العلمي حين ينقضّ على "عوائق معرفية" راسخة في الوعي العام . غير أنّ استعارة هذا المفهوم إلى حقل الدراسات الإسلامية لم تكن بريئة تماماً؛ فقد حملت في طيّاتها افتراضاً مسبقاً مفاده أنّ "العقل الإسلامي" يشكّل في ذاته عائقاً إبستمولوجياً، أو أنّ بنيته التحتية تمنع انبثاق وعيٍ نقديٍّ مستقل. والسؤال الذي يستحق الطرح هنا ليس هل يمكن القطيعة مع الإسلام، وإنما هل يصحّ أصلاً تصوّر "الإسلام" ككتلةٍ معرفيةٍ واحدةٍ قابلةٍ للقطع معها بهذا المعنى؟


يقتضي التحليل الفلسفي التمييز بين الإسلام كوحيٍّ ونصٍّ مؤسِّس، وبين الإسلام كتقليدٍ تفسيريٍّ تاريخيٍّ تشكّل عبر قرونٍ من الجدل والصراع والتراكم. القطيعة، إن وُجدت، لا تقع مع النصّ، إنما مع أنساقٍ تفسيريةٍ بعينها ادّعت احتكار الحقيقة واختزلت الوحي في صيغةٍ تاريخيةٍ محدّدة. وهنا يصبح مصطلح "القطيعة" أقرب إلى الاعتراف بأنّ الفكر الإسلامي لم يكن يوماً كتلةً متجانسة، إنما كان ساحةً لصراعاتٍ إبستمولوجيةٍ حقيقية. فقد شهد التاريخ الإسلامي لحظاتُ قطعٍ حقيقية: قطع الغزالي مع الميتافيزيقا المشائية في "تهافت الفلاسفة"، حين أعلن أنّ العقل اليوناني لا يصلح أساساً للاعتقاد، وإن كان قد استبقى المنطق كأداة . غير أنّ هذه "القطيعة الغزالية" نفسها لم تكن قطعاً مع "الإسلام"، إنما مع نموذجٍ فلسفيٍّ اعتُبر دخيلاً. المفارقة أنّ من يطالب اليوم بقطيعةٍ معرفيةٍ مع "الإسلام" يستعير في كثيرٍ من الأحيان المنطق ذاته الذي استخدمه الغزالي ضد الفلاسفة: منطق نزع الشرعية عن نسقٍ معرفيٍّ كاملٍ باسم حقيقةٍ أعلى.


على الجانب الآخر، ثمة محاولاتٌ عربيةٌ معاصرة لاستعمال مفهوم القطيعة بوعيٍ نقديٍّ أكثر تعقيداً. مشروع محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي" سعى إلى تفكيك "العقل العربي" عبر تمييزه بين أنساقٍ معرفيةٍ متصارعة: البياني والعرفاني والبرهاني. غير أنّ هذا المشروع تعرّض لنقدٍ قاسٍ من جورج طرابيشي، الذي رأى فيه استشراقاً داخلياً معكوساً، وإسقاطاً لنموذج الصراع المسيحي مع "الهرمسية" على التاريخ الإسلامي . هذا الجدل بين الجابري وطرابيشي يكشف أنّ الحديث عن "القطيعة" مع الإسلام لا يمرّ خارج التاريخ، إنما هو بذاته حدثٌ معرفيٌّ يخضع لشروط إنتاجه ولصراعات السلطة الأكاديمية.


إنّ الإشكال الأعمق في طرح القطيعة المعرفية مع الإسلام يكمن في تبنّيه الضمني لتصوّرٍ استشراقيٍّ عن "ذاتٍ إسلاميةٍ" عاجزةٍ بنيوياً عن النقد. فحين يُقال إنّ المرحلة تقتضي "قطعاً" مع الإسلام، يُفترض أنّ هناك "إسلاماً" واحداً، متجانساً، مقاومًا للتاريخ، ويمكن التعامل معه كوحدةٍ تحليليةٍ مغلقة. هذا التصوّر يتجاهل أنّ الإسلام، كأي ظاهرةٍ ثقافيةٍ كبرى، هو نتاج تفاعلٍ مستمرٍّ بين النصّ والواقع، بين التأويل والقوة، بين الإجماع والاختلاف. والقطيعة الحقيقية، إن أُريد لها أن تكون منتجةً معرفياً، ينبغي أن تُوجَّه لا إلى "الإسلام" ككلّ، وإنما إلى أنماطٍ محدّدةٍ من التفكير: إلى التفسير الأحادي، إلى الادّعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، إلى إغلاق باب الاجتهاد، إلى تحويل الدين إلى أيديولوجيا دولة. هذه الأنماط ليست "الإسلام"، إنها لحظاتٌ تاريخيةٌ من تاريخه، قابلةٌ للنقد والتجاوز من داخله لا من خارجه فقط.


ومن زاويةٍ فلسفيةٍ أدقّ، فإنّ فكرة القطيعة المطلقة مع تقليدٍ معرفيٍّ ما تنطوي على وهمٍ إبستمولوجي. فباشلار نفسه، حين تحدّث عن القطع، لم يقصد الانفصال التام عن الماضي، وإنما "إنكار الماضي واستمراره في آن" . العلم لا يقطع مع الأخطاء السابقة عبر النسيان، إنما عبر استيعابها كأخطاءٍ تجاوزها. وبتطبيق هذا المنطق على الإسلام، فإنّ أي قطيعةٍ معرفيةٍ جادّةٍ لا يمكن أن تكون محواً أو تجاوزاً كاملاً، وإنما إعادةَ قراءةٍ نقديةٍ للتراث تُدرك لحظات انسداده ولحظات انفتاحه. التراث الإسلامي ليس كتلةً صمّاء، فهذا التراث يحتوي على لحظاتٍ نقديةٍ داخليةٍ: جدل المعتزلة والأشاعرة، نقد ابن رشد لابن سينا، نقد الغزالي للفلاسفة، نقد ابن تيمية للمنطق اليوناني. كلّ هذه كانت قطائع داخلية، لا قطائع مع "الإسلام" إنما مع صيغٍ تاريخيةٍ له.


وهنا يبرز سؤال السياسة المعرفية. من يملك سلطة إعلان القطيعة؟ ومن يحدّد ما يُستبعد وما يُستبقى؟ في السياق الكولونيالي وما بعد الكولونيالي، ارتبط خطاب "القطيعة مع الإسلام" في كثيرٍ من الأحيان بمشروع تحديثٍ مفروضٍ من الخارج، يُعرّف "التقدّم" بمعايير الغرب ويقيس "التخلّف" بمسافة الآخر عن تلك المعايير . وهذا لا يعني رفض النقد، إنه يعني التمييز بين نقدٍ يمارس من موقع الانتماء الجدلي، ونقدٍ يمارس من موقع التفوق والاستعلاء. النقد الأول يعترف بأنّ الذات الناقدة هي نفسها جزء من الموضوع، أما الثاني فيتنصّب حكماً خارج التاريخ.


إنّ الصيغة الأكثر أمانةً معرفياً ليست "القطيعة مع الإسلام"، إنها "القطيعة مع أنماط التفكير التي تحتكر الإسلام". وهذا يعني الانتقال من سؤال "كيف نقطع مع الإسلام؟" إلى سؤال "كيف نقرأ الإسلام قراءةً تسمح بتعدّد التأويلات وبالمراجعة النقدية المستمرة؟". الفرق بين السؤالين ليس لفظياً؛ إنه فرقٌ في الموقع الإبستمولوجي: الأول يفترض أنّ المشكلة في "الجوهر"، والثاني يرى المشكلة في "الأنساق" و"المؤسسات" و"علاقات القوة". الأول ينتج خطاباً استثنائياً عن الإسلام، والثاني يدمجه في تاريخ أوسع للعقل البشري وصراعاته.


بهذا المعنى، يمكن القول إنّ القطيعة المعرفية الحقيقية ليست مع الإسلام، إنها مع الوهم الذي يقدّم الإسلام ككيانٍ مغلقٍ خارج التاريخ. إنها قطيعة مع التصوّر الذي يجعل من الدين حصناً ضد السؤال، ومن التقليد بديلاً عن التفكير. وهذه القطيعة، إذا ما أُريد لها أن تكون فلسفيةً حقاً، يجب أن تُطبَّق أولاً على الخطاب الذي يعلنها: على افتراضاته، على موقع المتكلّم فيه، على سلطته في تحديد ما يُعدّ "معرفياً" وما يُعدّ "لاشرعياً". عندها فقط يصبح السؤال عن القطيعة سؤالاً عن الحرية، لا عن الهوية.

أمجد نيوف

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي