تلتصق بالفلسفة السياسية وسوسيولوجيا الدين إشكالية التجذير المفهومي والتأريخي لمبدأ "العلمانية"، متسائلة عما إذا كانت تمثل صيغة عقلانية وكونية محايدة ذات جدارة استحقاقية تتجاوز الحدود الجغرافية لإدارة التعددية وتنظيم السلطة في كل المجتمعات الحديثة، أم أنها نتاج تاريخي وثقافي محلي نبت في رحم الخصوصية الأوروبية الغربية واستجابةً لظروفها الدينية والكنائسية الفريدة، مما يجعل فرضها كنموذج أحادي نوعاً من الهيمنة المعرفية أو الاستزراع المعقد خارج سياقه الأصلي. ينشأ هذا التوتر الفلسفي بين اتجاه معياري يرى العلمانية شرطاً بنوياً للحداثة والمواطنة، واتجاه نقدي وتفكيكي يبرز محليتها التاريخية وما تحمله من انحيازات ثاوية.
يؤسس التقليد الليبرالي والفلسفة السياسية الكلاسيكية، الممتد من جون لوك وإيمانويل كانط وصولاً إلى جون رولز، الأطروحة المدافعة عن كونية العلمانية وحيادها المعرفي. يرى هذا المنظور أن العلمانية في جوهرها ليست موقفاً معادياً للدين، إنها ترتيب سياسي وإجرائي يضمن استقلال مؤسسات الدولة عن المرجعيات الدينية، لتصبح الدولة فضاءً محايداً يقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين بغض النظر عن عقائدهم. يدافع أصحاب هذا الطرح عن العلمانية بوصفها صيغة عقلانية فرضتها ضرورة التعايش السلمي وحماية الحريات الأساسية، مؤكدين أن الحاجة إلى تحييد السلطة السياسية عن الهيمنة الأيديولوجية هي ضرورة كليّة لكافة المجتمعات المعاصرة المتعددة.
يقدم في المقابل نقاد "تفكيك العلمانية" وسوسيولوجيا الدين المعاصرة، وفي مقدمتهم طلال أسد في سفره التأسيسي "تشكلات العلماني: الإسلام، الحديث، والعلمانية" (Formations of the Secular) وتشارلز تايلور في "عصر علماني" (A Secular Age)، نقداً جذرياً لأسطورة الحياد والكونية المطلقة. يوضح طلال أسد أن "العلماني" ليس فقط مساحة محايدة تظهر تلقائياً بعد إزاحة الدين، إنما بناء مفهومي ومؤسسي أوجدته التجربة الإيقاعية والتاريخية للغرب؛ حيث أعادت الدولة الحديثة صياغة تعريف "الدين" ذاته، محددة ما هو مسموح به ومجاله المغلق (المجال الخاص/الوجداني) وما يجب إخضاعه للرقابة والضبط القانوني (المجال العام).
يغوص تشارلز تايلور في بيان أن العلمانية الغربية نشأت كحل لإشكالية مسيحية بروتستانتية داخلية تتعلق بتفكك السلطة الدينية الكاثوليكية وحروب الإصلاح الديني، محذراً من تحويل التجربة الأوروبية الخاصة إلى مسطرة كوكبية تُقاس عليها المجتمعات الأخرى. يرى تايلور أن مفهوم "الحياد" ذاته يحمل في طياته رؤية أنثروبولوجية وأخلاقية محددة للذات الفردية والعقلانية، قد تتصادم مع مجتمعات لا تفصل بحدة بين الديني والسياسي أو ترى في الشريعة والأخلاق الجمعية جوهراً لهويتها ووجودها العام.
يتأمل المنظّرون المعاصرون في الفلسفة السياسية والدراسات الثقافية صياغة مفاهيم مرنة كـ "العلمانيات المتعددة" (Multiple Secularisms)، رافضين النسخة الأحادية الصلبة التي تختزل العلمانية في النموذج الفرنسي اللائكي الصارم. يبرز التوتر جلياً بين نزعة كونية تصر على أن لا مواطنة ولا ديمقراطية بلا علمنة شاملة للمؤسسات، ونزعة نقدية تحذّر من فرض نماذج مستوردة دون مراعاة البنى الثقافية والتاريخية المحلية، داعية إلى تطوير صيغ للعيش المشترك تنبع من الفلسفات والسياقات الحضارية الخاصة بكل مجتمع.
تبقى إشكالية المفهوم والنشأة المحور الأساسي لفهم العلمانية وإمكاناتها المعاصرة. يظل السؤال المفتوح حول حدود الكونية والخصوصية محركاً أساسياً للفكر السياسي، إذ تؤكد القراءات المتضافرة أن العلمانية الأكثر فاعلية وعدالة هي تلك التي تتجاوز القوالب الجاهزة لتستجيب بعمق لمتطلبات التعددية والعدالة والكرامة الإنسانية في كل سياق حضاري متميز.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق