وُلد أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك، المعروف بشهاب الدين السهروردي، في بلدة سهرورد من أعمال زنجان في إقليم الجبال شمال غرب إيران، في نحو منتصف القرن السادس الهجري، أي حوالي عام ألف ومئة وخمسة وخمسين ميلادية . نشأ في أسرة عريقة في العلم والتصوف، لكنه لم يكن ابن عم الشيخ عمر السهروردي صاحب «عوارف المعارف» كما يظن بعض الناس، بل بينهما قرابة نسبية فقط، إذ كان شهاب الدين المقتول ابن أخت الشيخ عمر . بدأ تعليمه في مراغة على يد الشيخ مجد الدين الجيلي، الذي كان أستاذًا أيضًا لفخر الدين الرازي، فتلقى عليه الحكمة وأصول الفقه، ثم رحل إلى أصفهان حيث قرأ «البصائر النصيرية» لابن سهلان الساوي على الظهير الفارسي، وهي تلخيص لمنطق الشفاء لابن سينا، وفي أصفهان أيضًا ترجم «رسالة الطير» لابن سينا إلى الفارسية . ثم ارتحل إلى بلاد الروم وماردين وديار بكر، وأخذ عن فخر الدين المارديني، وكانت هذه الأسفار في طلب العلم والعلماء قد استغرقت معظم شبابه، حتى قال عن نفسه إنه بلغ الثلاثين وهو في سفر واستخبار وتفحص عن مشارك في العلوم، فلم يجد .
كان السهروردي في بداياته على مذهب المشائين، درس فلسفة ابن سينا وشرحها، وكتب في هذا الطور من حياته مؤلفات على منهج المشائية مثل «التلويحات» و«التنقيحات» . لكنه تحول بعد ذلك تحولًا جذريًا، ويروي هو نفسه أن أرسطو ظهر له في المنام، فدفعه ذلك إلى مراجعة الفلسفة المشائية ورفضها، والعودة إلى ما سماه «حكمة الأقدمين»، أي تقليد الحكماء قبل أرسطو، وأخصهم أفلاطون . هذا التحول هو ما شكّل مشروعه الأكبر: تأسيس علم جديد سماه «حكمة الإشراق»، وهو علم يقوم على «نور الأنوار» وعلى تجربة مباشرة للمعرفة لا تنتظر البرهان، بل تسبقه وتؤكده لاحقًا .
مفهومه المركزي هو «النور» بوصفه حقيقة الوجود كلها. فالإشراقيون يرون أن الوجود نفسه نور، وأن النور هو جوهر الوجود وحقيقته، وأن الله نفسه هو «نور الأنوار» . والمعرفة عند السهروردي ليست علاقة بين ذهن وموضوع، بل هي حضور ومشاهدة، ما سماه «العلم الحضوري»، أي أن العالم إذا تجرد من الجسد وانغمس في نور الأنوار، رأى الحقائق عيانًا لا استدلالًا . من هنا جاء اسم مدرسته: «حكمة الإشراق»، وهو اسم اختاره لسببين، كما قال بنفسه: الأول أن هذا النوع من الفلسفة تم تأسيسه على الإشراقات النفسانية، والثاني أن هذه المدرسة ملك للشرقيين، أي الفرس، أو بعبارة أخرى: فلسفة الأراضي التي تشرق منها الشمس .
كتابه الأكبر والأهم هو «حكمة الإشراق»، الذي كتبه وأكمله في خمسة عشر من سبتمبر عام ألف ومئة وستة وثمانين، وهو العمل الذي يجمع فيه بين أصول حكمة الإشراقيين ومبادئ فلسفة الفرس وحكمة الأقدمين في نسق واحد . ومن مؤلفاته الأخرى «هياكل النور» و«المشارع والمطارحات» و«الألواح العمادية» و«المقامات» و«اللمحات» و«الواح» و«رسالة في وصف المقول» و«مقامات الصوفية» و«الأربعون اسمًا الإدريسية» . وله أيضًا ديوان شعري جمعه وحققه الدكتور كامل مصطفى الشيبي، وفيه مئة وخمسة وأربعون بيتًا من شعره، تتميز بالرموز الصوفية والفلسفية، ومنها تخميس لامية كعب بن زهير . ومن أشهر ما قاله في النفس، على مثال عينية ابن سينا: «خلعت هياكلها بجرعاء الحمى / وصبت لمغناها القديم تشوقا» .
لكن حياته الفكرية القصيرة انتهت نهاية مأساوية. في عام ألف ومئة وتسعة وسبعين رحل إلى حلب، ونزل في المدرسة الحلوية، وبدأ ينشر مذهبه الإشراقي بين الطلاب والأعيان . وتذكر المصادر أنه حضر الدرس يومًا بلباس الدراويش، فأعجبه الملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي حاكم حلب، وأقربه، وجرت بينه وبين فقهاء حلب مناظرات، فغلبهم بالحجة والجدل، لكن ذلك زادهم عليه حنقًا . فاجتمعوا وحرروا محاضر بكفره وزيغه عن السنة، وأرسلوها إلى دمشق إلى السلطان صلاح الدين، وقالوا إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر وكل البلاد. فبعث صلاح الدين إلى ولده الظاهر يأمره بقتله، وقال في كتابه بخط القاضي الفاضل: «إن الشهاب السهروردي لابد من قتله، ولا سبيل أن يطلق، ولا يبقى بوجوه من الوجوه» .
فلما أيقن السهروردي أن القتل قادم، وليس له سبيل إلى الإفراج عنه، اختار أن يقر في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب حتى يلقى الله. وقيل إنه خُيّر في كيفية الموت فاختار الموت جوعًا، لأنه كان كثير الرياضة الروحية . ففعل به ذلك، وتوفي في قلعة حلب في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة، أي عام ألف ومئة واثنين وتسعين ميلادية، وعمره نحو ستة وثلاثين سنة . وقيل إنه أُخرج ميتًا من الحبس بعد صلاة الجمعة في سلخ ذي الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فتفرق عنه أصحابه، ودفن بظاهر حلب، ووُجد على قبره مكتوب: «قد كان صاحب هذا القبر جوهرة / مكنونة قلّ أن يأتي لها شرف» .
اختلف الناس في السهروردي بين من اتهمه بالزندقة والمروق عن الدين، وبين من اعتبره شهيدًا للفكر والعقيدة الإشراقية، ولذلك يضيف أتباعه إلى اسمه كلمة «شهيد» بدل وصفه بـ«المقتول» . وقد كان عالمًا فقيهًا شافعيًا في أول أمره، كما كان بارعًا في الأصول والفقه والخلاف، ثم مزج مذهبه الصوفي بشيء من فلسفة أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس، واستمد بعض آرائه من إخوان الصفا وابن سينا . وقد نُقدت فلسفته من وجوه كثيرة، واتُّهم بالقول بوجود نورين اثنين: إله النور وإله الظلمة، وهو ما رفضه كثير من المتكلمين والفقهاء . لكن إسهامه الأكبر، وهو تأسيسه لمدرسة الإشراق، ظل حيًّا في الفلسفة الإسلامية، وشرحه قطب الدين الشيرازي وغيره، وبقيت «حكمة الإشراق» كتابًا مركزيًا في تاريخ الفلسفة الإسلامية حتى اليوم، وأثّرت في ملا صدرا ومدرسة الحكمة المتعالية، وفي كل من حاول الجمع بين العقل والكشف في الفكر الإسلامي.
يبقى السهروردي مهمًا ليس فقط لأنه مات شابًا، ولا لأن سيرته مثيرة للجدل، إنما لأنه طرح سؤالًا ما زال قائمًا: هل يمكن أن تكون المعرفة حضورًا ومشاهدة لا استدلالًا وبرهانًا فقط؟ وهل يمكن أن تجتمع الفلسفة والتصوف في نسق واحد لا يتناقضان؟ وهل الحكمة القديمة، حكمة الأقدمين، تحمل شيئًا لم يحتفظ به أرسطو؟ لم يقدّم السهروردي إجابات نهائية، لكنه قدّم نموذجًا لفيلسوف لم يكتف بالعقل وحده، ولم يقنع بالإيمان وحده، إنما بحث عن نور يضيء الطريقين معًا. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومقلقًا، كما كان في حياته.
تعليقات: (0) إضافة تعليق