آخر الأخبار

أين تنتهي سيادة الدولة وأين تبدأ حريات المواطن ومسؤوليته المدنية؟

+حجم الخط-




ما الثغرات الفاصلة بين سلطة الدولة في فرض السيادة وحفظ النظام، وبين استقلالية الفرد وحرياته الأساسية، متسائلة عن المعيار الذي يحدد بدقة أين تقف سيادة الدولة في تشريع القوانين وإكراه المواطنين، وأين تبدأ الحريات المصانة والمسؤولية المدنية الواعية للذات الفردية. 
ينشأ هذا التوتر الفلسفي بين اتجاه سلطوي أو جماعي يعلي من مصلحة الدولة والسيادة العليا، واتجاه ليبرالي تحرري يضع حرية الفرد في مركز الوجود السياسي ويجعل من حدود الدولة شأناً استئنائياً ومقيداً.



يؤسس التقليد الليبرالي الكلاسيكي، الممتد من جون لوك وجون ستيوارت ميل وصولاً إلى روبرت نوزيك، الأطروحة المدافعة عن أسبقية حرية الفرد ومبدأ الحد الأدنى لتدخل الدولة. يضع ميل في رسالته الشهيرة "عن الحرية" (On Liberty) مبدأً مركزياً يُعرف بـ "مبدأ الضرر" (Harm Principle)؛ مفاده أن الدولة لا تمتلك الحق في التدخل في حريات الفرد أو الحد من خياراته الشخصية إلا بهدف وحيد وهو منع إلحاق الضرر بالآخرين. يرى هذا المنظور أن الدولة ليست سوى حارس ليلي أو وكيل تعاقدي وظيفته الأساسية صيانة حقوق الأفراد وحرياتهم، وكل توسع يتجاوز هذا الحد لصالح سيادة الدولة المطلقة يعد انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية والاستقلالية الذاتية.



يقدم في المقابل التقليد السياسي المتعلق بسيادة الدولة والواقعية السياسية، المُمثل بتوماس هوبز وهيغل وجان جاك روسو، رؤية تؤكد أن سيادة الدولة هي الشرط المسبق والمطلق لوجود الحرية ذاتها. يرى هوبز في كتاب "اللفياثان" (Leviathan) أن الإنسان في حالة الطبيعة يعيش في صراع دموي وفوضى عارمة، ولا يمكن أن ينعم بالأمان أو الحقوق إلا عبر التنازل عن جزء من حرياته المطلقة لصالح السلطة السيادية الكلية. يرى هيغل أن الدولة ليست مجرد أداة أمنية، إنها التحقق الأعلى للعقل الموضوعي والأخلاق الجماعية؛ ومن ثم فإن الحرية الحقيقية لا تتحقق بالتمرد على الدولة، بل بالاندماج الواعي في مؤسساتها والالتزام بالواجبات المدنية التي تنظم الحياة المشتركة.



يغوص يورغن هابرماس وتشارلز تايلور في معالجة هذا التوتر عبر إرساء مفهوم "التضامن المدني والمسؤولية التداولية"؛ حيث لا يُنظر إلى الحقوق والواجبات كطرفين متصارعين في لعبة صفرية، إنما كوجهين لعملة واحدة. يرى هذا الطرح أن المواطن الحق ليس هو من يطالب بحرياته المطلقة بمعزل عن الصالح العام، ولا من يخضع لسلطة الدولة الخانقة، إنما هو الفرد الذي يشارك بفعالية في الفضاء العمومي لتحديد محتوى القوانين وصياغة حدود السيادة والمسؤولية عبر النقاش العقلاني الديمقراطي.

يتأمل فلاسفة القانون والتشريع المعاصرون الأفق العملي لهذه المعضلة في أوقات الأزمات والطوارئ (كالأوبئة، والتهديدات الأمنية، والأزمات الاقتصادية الكبرى)؛ حيث تميل الدول غالباً إلى توسيع دائرة سيادتها وتقييد حريات الأفراد بذريعة حفظ الأمن القومي أو المصلحة العليا، مما يعيد إشعال الجدل الفلسفي حول مدى شرعية هذه الاستثناءات وهل تتحول الدولة الاستبدادية تدريجياً عبر هذه الثغرات إلى قاهر للحرية المدنية.


تبقى إشكالية حدود الحقوق والواجبات الاختبار الحقيقي لمدى عدالة العقد الاجتماعي. يظل السؤال المفتوح حول التوازن الدقيق بين صرامة السيادة ورحابة الحرية محركاً أساسياً للفكر السياسي، إذ تؤكد القراءات المتضافرة أن الدولة العادلة هي التي تنظر إلى سيادتها باعتبارها أداة لخدمة حرية المواطن وتوفير شروط ازدهاره، وأن مسؤولية المواطن المدنية تكمن في الدفاع عن حقوقه بحرية واعية مع الالتزام الأخلاقي بقواعد العيش المشترك.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي